فهرس الكتاب
ورد لفظ (الجؤار) في الآية الكريمة قرينة حالية داخلية صوتية تدل على أن تضرعهم واستغاثتهم مؤقتة وزائفة، فهي تزول بزوال المصيبة التي حلّت بهم وعند انكشافها يعودون إلى كفرهم وطغيانهم؛ لذلك فإن الله - عز وجل - شبّه صراخهم واستغاثتهم بجؤار الحيوانات وصراخها؛ لأنه صراخ لأجل أمور دنيوية فقط من دون فهم أو تفكر، فمثلت هذه اللفظة صوتهم خير تمثيل.
ومنها أيضًا قوله تعالى يصور فيها حال الكافرين مع نار جهنم: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} (الفرقان: 12) .
فالتغيظ في أصل اللغة، هو: الاغتياظ [1] ، وهو أشدّ الغضب، وإظهار هذا الغيظ مع صوت مسموع [2] . أما الزفير، فهو أن يملأ صدره غمًّا ثم يزفر به [3] ، فهو تردد النفس حتى تتفتح الضلوع منه [4] . والآية الكريمة تتحدث عن المشركين عند جزاء الآخرة للكافرين، وهي نار جهنم ورؤية النار لهم وتغيضها عند الرؤية مجاز بأسلوب (( التشخيص الفني ) )Personification ، الذي يعني جعل الشيء كأنه إنسان يفهم ويعقل، وهذه الرؤية قيل: من مكان بعيد، ذكر أنه على مسيرة مائة عام، وقيل: سنة، وذلك قبل رميهم فيها. فتصدر هذه النار صوت تغيظ وزفير شديدين [5] . وهي قرينة حالية صوتية على غضب النار وغيظها، وشهوتها في الانتقام منهم، كالاسد يزأر إذا رأى فريسته [6] . والتغيظ (( لا يُسمع وإنما يعلم بدلالة الحال عليه، وقيل: معناه سمعوا لها صوت تغيظ وغليان ) ) [7] . فنلحظ مما سبق أن القرينة الحالية
(1) العين 2/ 1364، (غيظ) .
(2) مفردات (الراغب) : 619، (غيظ) .
(3) العين 2/ 754، (زفر) .
(4) مفردات (الراغب) : 380، (زفر) .
(5) ينظر: الكشاف 3/ 83 - 84، ومجمع البيان 7/ 163، والتفسير الكبير مج8/ 24/437 - 438، والبحر المحيط 6/ 485، والميزان 15/ 204.
(6) ينظر: الميزان 15/ 204.
(7) مجمع البيان 7/ 163.