فهرس الكتاب
المبحث الأول
التقابل الدلالي
للسياق أساليب عدّة، منها ماهو قائم على ما يسمى في علم الدلالة (التقابل الدلالي) ، وهو كثير في القرآن الكريم، ويعدّ من أقوى القرائن الدلالية. فالتقابل الدلالي من الظواهر اللغوية والبلاغية العالية في العربية، التي تكشف عن العلاقة المعنوية بين الألفاظ المتقابلة، وقيمة هذا التقابل في المعنى.
ولو أردنا أن نقف عند المفهوم العام للفظة (المقابلة) في المعجمات اللغوية، وما تعنيه لوجدناها تعني: (( الطاقة، تقول: لا قَبَلَ لهم .. ، وتقول: لقيتهُ قبلًا أي: مُواجهة ) ) [1] ، و (( المقابلة: المواجهة، والتقابل مثله. وهو قبالك وقبالتك: أي تجاهك ) ) [2] .
إن عدم تحديد هذه المواجهة، جعل الباب مفتوحًا للعلماء في تسمية التقابل، من هذه التسميات: (المطابقة، والتضاد، والتناقض، والتخالف) [3] . وهذه التسميات جميعها تعبّر عن (التقابل) ؛ لأن كل تسمية هي جزء منه. وقد عُرّف المعنى الاصطلاحي للتقابل لدى بعض المعاصرين بأنه: (( إذا أتى المتكلم بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول، والثاني بالثاني لا يحرم من ذلك مشيرًا في الموافق والمخالف ) ) [4] . وهذا التحديد ليس دقيقًا في جانب منه؛ لأنّ المٌقابل لا يشترط فيه أن يكون في عجز الكلام، بل كثيرًا ما يكون مجاورًا للمقابل، وأمثلته في القرآن الكريم كثيرة، كتقابل (الغيب) مع (الشهادة) في قوله تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (المؤمنون: 92) . وعلى أية حال فإنّ مصطلح التقابل يضم التضاد والتناقض،
(1) العين 3/ 1435 - 1436، (قبل) ، ومفردات (الراغب) /654 (قبل) .
(2) الصحاح 5/ 1797، (قابل) ، ومعجم مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 51 - 52 (قبل) .
(3) لسان العرب، ابن منظور 5/ 71، 11/ 540، 13/ 557، وينظر: التقابل والتماثل في القرآن الكريم، فايز القرعان /15، 16، 78.
(4) تحرير التحبير، ابن أبي الإصبع العدواني /179.