فهرس الكتاب
فتكون بذلك العلاقة بين القرائن والمعنى طردية، فكلما كثرت القرائن في النص الواحد وتنوعت، صار المعنى في سياق النص أكثر تحديدًا ووضوحًا ودقة، والحكم (( على دلالة اللفظ في نص ما، أدق وأوثق مما لو استقيناه من المعاجم وحدها ) ) [1] .
وفي التعبير القرآني تفردت طائفة من الألفاظ بقرينة السياق بدلالة خاصة، جاوزت حدود معناها المعجمي إلى معانٍ جديدة ذات إيحاءات خاصة، ومن الأمثلة عليها:
(1) الخوض واللعب:
إن لفظ (الخوض) في أصل معناه اللغوي يعني المشي في الماء، إذ يقال: خضتُ الماءَ خوْضًا وخياضًا، واختضتُ، وخوّضتُ تخويضًا إذا مشيتُ فيه [2] . والخوض أيضًا: دخول القدم فيما كان مائعًا من الماء والطين [3] . ويستعار في الأمور المعنوية، فيقال: وتخاوضوا في الحديث: تفاوضوا [4] .
أما في النص القرآني فكثيرًا ما يقترن (الخوض) (باللعب) ، وقد ورد لفظ (الخوض) في السياق القرآني بمعنى جديد وإيحاء خاص به، وهو (( فيما يُذمّ الشروع فيه ) ) [5] ، كالذي في قوله تعالى: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} (التوبة 69) ، بدليل القرينة السياقية المتأخرة المتصلة في قوله تعالى من الآية نفسها: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .
ويلحظ أن اغلب الآيات القرآنية التي وردت فيها هذه اللفظة لها المعنى نفسه، وهو المشي والانغماس في طرق غير جادة وصحيحة، والابتعاد عن الحق. فهي تعبّر عن الباطل مجازًا؛ لذا استعمل هذا اللفظ للدخول فيه قولًا وفعلًا. والخوض
(1) دلالة الألفاظ، د. إبراهيم أنيس /213.
(2) العين 1/ 538، (خوض) ، ومفردات الراغب /302، (خوض) .
(3) مجمع البيان 5/ 46.
(4) مفردات الراغب /302، (خوض) .
(5) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.