(يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة) ... وذلك أن جبرائيل كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ويصعد إلى السماء في يوم كان مقداره ألف سنة وذلك أنه من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام فهبوط خمسمائة وصعود خمسمائة عام فذلك ألف سنة،
وأما قوله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) يقول لو ولى حساب الخلائق غير الله ما فرغ منه في يوم مقداره خمسون ألف سنة ويفرغ الله منه مقدار نصف يوم من أيام الدنيا إذا أخذ في حساب الخلائق فذلك قوله (وكفى بنا حاسبين) يعني سرعة الحساب اهـ المقصود 0
تكملة للطريقة الأولى وهذه التكملة هي عبارة عن:
قاعدة في الألفاظ المشتركة
فتكلم الإمام أحمد عن لفظة (جعل) أن لها عدة معاني في القرآن فهي لفظ مشترك بين عدة معاني وعند التعارض يُحمل على أحد المعنيين إذا دل عليه دليل أو قرينة أو حجة، فقال:
إن جعل في القرآن من المخلوقين على وجهين:
على معنى التسمية
وعلى معنى فعل من أفعالهم
وقوله (الذي جعلوا القرآن عضين) قالوا هو شعر وأنباء الأولين وأضغاث أحلام فهذا على معنى التسمية، و قال (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) ... يعنى أنهم سموهم إناثا 0
ثم ذكر جعل على غير معنى التسمية فقال (يجعلون أصابعهم في آذانهم) فهذا على معنى فعل من أفعالهم، وقال (حتى إذا جعله نارا) هذا على معنى فعل، فهذا جعل المخلوقين،
ثم جعل من أمر الله على معنى غير خلق لا يكون إلا خلق ولا يقوم إلا مقام خلق خلقا لا يزول عنه المعنى، وإذا قال الله جعل على غير معنى خلق لا يكون خلق ولا يقوم مقام خلق ولا يزول عنه المعنى،
فمما قال الله جعل على معنى خلق قوله (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) يعنى وخلق الظلمات والنور، وقال (وجعل لكم السمع والأبصار) يقول وخلق لكم السمع والأبصار وقال (وجعلنا الليل والنهار آيتين) ويقول وخلقنا الليل والنهار آيتين وقال (وجعل الشمس سراجا) وقال (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها) يقول خلق منها زوجها يقول: وخلق من آدم حواء وقال (وجعل لها رواسي) يقول وخلق لها رواسي ومثله في القرآن كثير فهذا وما كان مثله لا يكون إلا على معنى خلق،
ثم ذكر جعل على غير معنى خلق قوله (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة) لا يعنى ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة وقال الله لإبراهيم (إني جاعلك للناس إماما) ... لا يعنى إني خالق للناس إماما لأن خلق إبراهيم كان متقدما وقال إبراهيم (رب اجعل هذا البلد آمنا) وقال إبراهيم (رب اجعلني مقيم الصلاة) لا يعنى اخلقني مقيم الصلاة وقال (يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة) وقال لأم موسى (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) لا يعنى وخالقوه من المرسلين لأن الله وعد أم موسى أن يرده إليها ثم يجعله من بعد ذلك رسولا وقال (ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم)
وقال (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) وقال (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) لا يعنى وخلقه دكا ومثله في القرآن كثير فهذا وما كان على مثاله لا يكون على معنى خلق،
فإذا قال الله جعل على معنى خلق وقال جعل على غير معنى خلق فبأي حجة قال الجهمي جعل على معنى خلق،