الصفحة 20 من 91

إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) فلم يكن أمرهم إياه بأن يقضي ما هو قاض على معنى التكذيب ولا على الإباحة لأن يفعل بهم ما قد تواعدهم ولكنهم أعلموه أنهم قد استعدوا له بالصبر على ما حل بهم من عذابه تاركين لدينهم جزعا مما تواعدهم به فليفعل ما هو فاعل فإنهم يستقلون ذلك في جنب ما يتوقعونه من ثواب الله عز وجل وما يرجون أن يصرفه الله عنهم من عذابه ثوابا على بذلهم أنفسهم،

9 ـ قال أبو عبد الله ووجه آخر من الأمر مخرجه مخرج أمر التعبد وليس به وذلك كقول نوح لقومه (إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون)

فهذا ظاهره أمر وهو في المعنى نهي لأنهم لو فعلوا ما أمرهم به كانوا عاصين لله وله ولم يأمرهم بذلك ليطيعوه ولكن أخبرهم بهوانهم عليه وصغر قدرتهم عنده وأنهم لا يقدرون على ضره ولا إيذائه إلا بأمر ربه

وعن هود أنه قال لقومه وهم يريدونه قد باينوه بالعداوة فقال لهم (إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه) ثم أخبرهم بهوانهم عليه كما فعله نوح فقال فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون أي أعجلوا علي ثم أخبرهم بالذي حمله على هذا القول وقوله عليهم وهوّن شأنهم عنده حتى سألهم أن يجتمعوا له ولا ينظروه وذلك موجود في كلام العرب ومخاطباتهم إذا هان القوم على القوم قالوا لهم اجتمعوا واجتهدوا ولا تخزوا ما تريدون،

10 ـ ووجه آخر لفظه لفظ الأمر والمراد به التهدد والوعيد من ذلك قوله (قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه) وقوله (قل استهزأوا إن الله مخرج ما تحذرون)

ومنه حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم من باع الخمر فليشقص الخنازير 0 اهـ المقصود

فصل

كلام الإمام ابن قتيبة رحمه الله في كتابه (تأويل مختلف الحديث)

فإنه رحمه الله استعرض في كتابه ذلك ما يظن فيه التعارض ودفع ذلك وكشفه، ومن قواعده في ذلك قال: ونحن نقول إنه ليس في هذا اختلاف إذا وضع بموضعه زال الاختلاف هذه قاعدته ذكره في حديث (لاعدوى ولا طيرة)

وكانت الأصول التي دفع فيها التعارض كالتالي:

1 ـ الأصل الأول: أن يُحمل هذا على وقت وهذا على وقت آخر غيره،

ولذا أجاب عما ظُن فيه التعارض مثل حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على المدين إذا لم يترك وفاء بدينه) ويخالفه حديث (أنه قال من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا فعلي) وفي حديث آخر (من ترك كلا فإلى الله ورسوله) يعني عيالا فقراء وأطفالا لا كافل لهم فكيف يترك الصلاة على من ألزم نفسه قضاء الدين عنه والقيام بأمر ولده وعياله بعده وهذا تناقض؟

قال ابن قتيبة رحمه الله: ونحن نقول إنه ليس في هذا بحمد الله تعالى تناقض لأن تركه الصلاة على المدين إذا لم يترك وفاء بدينه كان ذلك في صدر الإسلام قبل أن يفتح عليه الفتوح ويأتيه المال وأراد أن لا يستخف الناس بالدين ولا يأخذوا مالا لا يقدرون على قضائه فلما أفاء الله عز وجل عليه وفتح له الفتوح وأتته الأموال جعل للفقراء والذرية نصيبا في الفيء وقضى منه دين المسلم 0

مثال آخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت