يعني أنهم شكوا إليه شدة الحر وما ينالهم من الرمضاء وسألوه الإبراد بالصلاة فلم يشكهم، أي لم يجبهم إلى تأخيرها، ثم رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فوح جهنم)
قالوا وهذا اختلاف لا خفاء به وتناقض؟
قال ابن قتيبة: ونحن نقول إنه ليس ههنا بنعمة الله تعالى اختلاف ولا تناقض لأن أول الأوقات رضوان الله وآخر الأوقات عفو الله والعفو لا يكون إلا عن تقصير فأول الأوقات أوكد أمرا وآخرها رخصة وليس يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ في نفسه إلا بأعلى الأمور وأقربها إلى الله تعالى وإنما يعمل في نفسه بالرخصة مرة أو مرتين ليدل بذلك الناس على جوازها فأما أن يدوم على الأمر الأخص ويترك الأوكد والأفضل فذلك مالا يجوز فلما شكا إليه أصحابه الذين يصلون معه الرمضاء وأرادوا منه التأخير إلى أن يسكن الحر لم يجبهم إلى ذلك إذ كانوا معه ثم أمر بالإبراد من لم يحضره توسعة على أمته وتسهيلا عليهم وكذلك تغليسه بالفجر وقوله أسفروا بالفجر ومما يدل على أنه كان يصلي الظهر للزوال ولا يؤخرها 0
مثال آخر:
قالوا رويتم عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه) فاستجاز بروايتكم هذه قوم فرك المني من الثوب والصلاة فيه وجعلوه سنة ثم رويتم عن عمرو بن ميمون بن مهران عن سليمان بن يسار قال سمعت عائشة رضي الله عنها تقول (إنها كانت تغسل أثر المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فيه بقعة أو بقعا) فأبى قوم فرك المني بروايتكم هذه ولم يستجيزوا إلا غسله من الثوب إذا أرادوا الصلاة فيه وهذا تناقض واختلاف؟
قال أبو محمد (أي ابن قتيبة) ونحن نقول إنه ليس ههنا تناقض ولا اختلاف لأن عائشة رضي الله عنها كانت تفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا والفرك لا يقع إلا على يابس وكان ربما بقي في شعاره حتى ييبس وهو ييبس في مدة يسيرة لا سيما في الصيف وكانت تغسله إذا رأته رطبا والرطب لا يجوز أن يفرك ولا بأس على من تركه إلى أن يجف ثم فركه، أخبرني إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه أن السنة مضت بفرك المني 0
مثال آخر:
قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (وأنه مر بشاة ميتة فقال ألا انتفعوا بإهابها) فأخذ قوم من الفقهاء بذلك وأفتوا به، ثم رويتم انه قال (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) فأخذ قوم من الفقهاء بهذا وأفتوا به وهذا تناقض واختلاف؟
قال أبو محمد (أي ابن قتيبة) ونحن نقول إنه ليس ههنا بحمد الله تناقض ولا اختلاف لأن الإهاب في اللغة الجلد الذي لم يدبغ فإذا دبغ زال عنه هذا الاسم وفي الحديث أن عمر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وفي البيت أهب عطنة) يريد جلود منتنة لم تدبغ وقالت عائشة رضي الله عنها في أبيها رضي الله عنه قرر الرءوس على كواهلها وحقن الدماء في أهبها يعني في الأجساد ولو كان الإهاب مدبوغا لم يجز أن تكني به عن الجسد،
فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيما إهاب دبغ فقد طهر ثم مر بشاة ميتة فقال ألا انتفع أهلها بإهابها) يريد ألا دبغوه فانتفعوا به ثم كتب (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) يريد لا تنتفعوا به وهو إهاب حتى يدبغ، ويدلك على ذلك قوله ولا عصب لأن العصب لا يقبل الدباغ قبل أن يدبغ، وقد جاء هذا مبينا في الحديث روى بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة لمولاة ميمونة فدبغوه وانتفوا به 0
مثال آخر وهو حال التعمد: