الصفحة 26 من 91

وبالوحدة لأن الشيطان يطمع فيه كما يطمع فيه اللصوص ويطمع فيه السبع فإذا خرج وحده فقد تعرض للشيطان وتعرض لكل عاد عليه أو اللصوص كأنه شيطان ثم قال والاثنان شيطانان لأن كل واحد منهما متعرض لذلك فهما شيطانان فإذا تناموا ثلاثة زالت الوحشة ووقع الأنس وانقطع طمع كل طامع فيهم، وكلام العرب إيماء وإشارة وتشبيه يقولون النجاد والنجاد حمائل السيف وهو لم يتقلد سيفا قط وإنما يريدون القامة تضمهما بطول نجاده على طوله لأن النجاد القصير لا يصلح على الرجل الطويل ويقولون فلان عظيم الرماد ولا رماد في بيته ولا على بابه وإنما يريدون أنه كثير الضيافة وإذا كثر وقود النار كثر الرماد،

والله تعالى يقول في كتابه (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كنا يأكلان الطعام) فدلنا بأكلهما الطعام على معنى الحدث لأن من أكل الطعام فلا بد له من أن يحدث،

وقال تعالى حكاية عن المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) فكنى بمشيه في الأسواق عن الحوائج التي تعرض للناس فيدخلون لها الأسواق كأنهم رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعثه الله تعالى أغناه عن الناس وعن الحوائج إليهم،

وأما قولهم كان يبرد البريد وحده والبريد الرسول يبعث به من بلد إلى بلد ويكتب معه وهو الفيج فإنه كان يبعث به من بلد إلى بلد وحده ويأمره أن ينضم في الطريق إلى الرفيق يكون معهم ويأنس بهم وهذا شيء يفعله الناس في كل زمان ومن أراد أن يكتب كتابا وينفذه مع رسول إلى بلد شاسع فإنه لا يجب عليه أن يكتري ثلاثة لقول النبي صلى الله عليه وسلم الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب وإنما يجب هذا على الرسول إذا هو خرج أن يلتمس الصحبة ويتوقى الوحدة،

وأما خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر حين هاجر فإنهما كانا في ذلك الوقت خائفين على أنفسهما من المشركين فلم يجدا بدا من الخروج،

ولعلهما أمّلا أن يوافقا ركبا كما أن الرجل يخرج من منزله وحده على تأميل وجدان الصحابة في الطريق فلما أمكنهما أن يتزيدا في العدد استأجر أبو بكر رضي الله عنه هاديا من بني الديل واستصحب عامر بن فهيرة مولاه فدخلوا المدينة وهم أربعة أو خمسة،

مثال آخر:

قالوا حديثان متناقضان فقد رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) ورويتم أنه قال (لا قطع إلا في ربع دينار) هذا والحديث الأول حجة للخوارج لأنها تقول إن القطع على السارق في القليل والكثير؟

قال أبو محمد ونحن نقول إن الله عز وجل لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده على ظاهر ما أنزل الله تعالى عليه في ذلك الوقت ثم أعلمه الله تعالى أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم من حكم الله تعالى إلا ما علمه الله عز وجل ولا كان الله ينزل ذلك جملة بل ينزله شيئا بعد شيء ويأتيه جبريل عليه السلام بالسنن كما كان يأتيه بالقرآن ولذلك قال أوتيت الكتاب ومثله معه يعني من السنن ألا ترى أنه في صدر الإسلام قطع أيدي العرنيين وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا ثم نهى بعد ذلك عن المثلة لأن الحدود في ذلك الوقت لم تكن نزلت عليه فاقتص منهم بأشد القصاص لغدرهم وسوء مكافأتهم بالإحسان إليهم وقتلهم رعاته وسوقهم الإبل ثم نزلت الحدود ونهى عن المثلة،

ثم من يعرف اللغة ومخارج كلام العرب يعرف أن هذا ليس موضع تكثير لما يسرق السارق فيصرف إلى بيضة تساوي دنانير وحبل عظيم لا يقدر على حمله السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا فإنه عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض لعقوبة الغلول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت