الصفحة 31 من 91

قال ابن قتيبة: ونحن نقول إن الله عز وجل يختبر عباده بالفرائض ليعلم كيف طاعتهم أو معصيتهم وليجازي المحسن والمسيء منهم أن يكون فيما أحله أو حرمه علة توجب التحليل أو التحريم،

فإذا جاز أن يبعث الله عز وجل رسولا بشريعة فتستعمل حقبا من الدهر ويكون المستعملون لها مطيعين لله تعالى ثم يبعث رسولا ثانيا بشريعة ثانية تنسخ تلك الأولى ويكون المستعملون لها مطيعين لله تعالى كبعثه موسى عليه السلام بالسبت ونسخ السبت بالمسيح عليه السلام وبعثه إياه بالختان في اليوم السابع ونسخ ذلك أيضا بالمسيح عليه السلام، جاز أيضا أن يفرض شيئا على عباده في وقت ثم ينسخه في وقت آخر والرسول واحد،

وقد قال عز وجل (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) يريد بخير منها أسهل منها،

وإذا جاز أن ينسخ الكتاب بالكتاب جاز أن ينسخ الكتاب بالسنة لأن السنة يأتيه بها جبريل عليه السلام عن الله تبارك وتعالى فيكون المنسوخ من كلام الله تعالى الذي هو قرآن بناسخ من وحي الله عز وجل الذي ليس بقرآن ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أوتيت الكتاب ومثله معه) يريد أنه أوتي الكتاب ومثل الكتاب من السنة ولذلك قال الله عز وجل (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقد علم الله عز وجل أنا نقبل منه ما بلغنا عنه من كلام الله تعالى ولكنه علم أنه سينسخ بعض القرآن بالوحي إليه فإذا وقع ذلك قدح في بعض القلوب وأثر في بعض البصائر فقال لنا (وما آتاكم الرسول فخذوه) أي ما آتاكم به الرسول مما ليس في القرآن أو مما ينسخ القرآن فاقبلوه،

قال ابن قتيبة:

والسنن عندنا ثلاث:

سنة أتاه بها جبريل عليه السلام عن الله تعالى كقوله (لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها) ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ولا تحرم المصة ولا المصتان والدية على العاقلة وأشباه) هذه من الأصول،

والسنة الثانية سنة أباح الله له أن يسنها وأمره باستعمال رأيه فيها فله أن يترخص فيها لمن شاء على حسب العلة والعذر (كتحريمه الحرير على الرجال وإذنه لعبد الرحمن بن عوف فيه لعلة كانت به) وكقوله في مكة (لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها فقال العباس بن عبد المطلب يا رسول الله إلا الإذخر فقال إلا الإذخر)

ولو كان الله تعالى حرم جميع شجرها لم يكن يتابع العباس على ما أراد من إطلاق الإذخر ولكن الله تعالى جعل له أن يطلق من ذلك ما رآه صلاحا فأطلق الإذخر لمنافعهم،

ونادى مناديه (لا هجرة بعد الفتح ثم أتاه العباس شفيعا في أخي مجاشع بن مسعود ليجعله مهاجرا بعد الفتح فقال أشفع عمي ولا هجرة) ولو كان هذا الحكم نزل لم تجز فيه الشفاعات،

(وقال عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني فمن أحيا مواتا فهو له) وقال في العمرة (ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لأهللت بعمرة) وقال في صلاة العشاء (لولا أن أشق على أمتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين) (ونهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث وعن زيارة القبور وعن النبيذ في الظروف ثم قال إني نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ثم بدا لي أن الناس يتحفون ضيفهم ويحتبسون لغائبهم فكلوا وأمسكوا ما شئتم ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا فإنه بدا لي أنه يرق القلوب ونهيتكم عن النبيذ في الظروف فاشربوا و لا تشربوا مسكرا)

قال أبو محمد ومما يزيد في وضوح هذا حديث حدثنيه محمد بن خالد بن خداش قال حدثني مسلم بن قتيبة قال نا يونس عن مدرك بن عمارة قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم على رجل من الأنصار فرأى رجلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت