الصفحة 1003 من 3812

والمنهج الإسلامي في التربية و العبادة يرى هذه الرؤية و الفلسفة، فالعبادات و المعاملات تنبثق من رقابة ذاتية و مسؤولية لدى المسلم مع الحرص والرغبة في نيل رضا الله تعالى، و الشعور بأنه يراقبه دائمًا وينتظر الثواب و يخاف العذاب.

وتؤكد الآيات و الأحاديث دائمًا على ضرورة وعي الأهداف والحكمة من العبادات، فإنها من غير ذلك تكون أفعالًا جوفاء، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، فإن لم يحقق المسلم بالصوم التقوى؛ فقد أخل بالغرض الذي شرع الصوم من أجله، و إن كان يشارك المسلمين بالشعائر الظاهرة للصوم، فقد قال صلى الله عليه و سلم:"رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب"وقال تعالى: (لن ينال الله لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوى منكم) ، وقال:

(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر) ، وقال صلى الله عليه و سلم:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم تزده من الله إلا بُعدًا".

وحين نفكر في تحقيق الحكمة من العبادات و جوهرها؛ نجد أن الدافع الذاتي والحرص على استشعارها هو الذي يجعل هذه العبادات و الشعائر ليست حركات شكلية؛ بل أداءً حيًا يسري في حياة المسلم اليومية و في ضميره و روحه و عقله، فيصقله و يسمو به عن المعصية و الانحراف.

و يقدم الحديث النبوي تمثيلًا حكيمًا ومؤثرًا حين يرينا كيف يختلف أثر الدعوة في الناس حسب طبائعهم و مشاربهم و صفاتهم الفردية؛ فالناس كما وصفهم الحديث في تقبلهم لما بعث الله به نبيهم - صلى الله عليه و سلم- كمثل الأرض و التربة: بعضها طيب قبلت الماء فأنبتت الكلأ، و بعضها تحفظ الماء للناس ولا تقبله، و بعضها قيعان لا تحفظ ماء ولا تنبت زرعًا!.

و حين نستعير الأفكار السابقة، و نجعلها في برامج العمل؛ نؤكد أولًا أن منهاج العمل الإسلامي يعتمد غالبًا في النجاح و الفاعلية على الجهد الذاتي والصفات الفردية لدى الدعاة، وهم يستفيدون من هذه البرامج بقدر استعدادهم وجهودهم الذاتية.

وحتى نعين الأخوة الدعاة على فهم هذه الفكرة في خطوات وبرامج عملية؛ فإننا نقدم الأفكار والاقتراحات التالية:

1 -يكف معظم الناس بعد سن الخامسة والعشرين بسبب مشاغل الحياة وزيادة المسؤولية، وضعف الحماس والتقدم في السن، وضعف الصحة عن ممارسة مواهب نافعة، فيكفون عن المطالعة و القراءة و المشاركة في الأنشطة العامة، إن على الداعية -مهما تكن حاله - أن يقتص وقتًا مناسبًا للقراءة والمشاركة والرياضة والكتابة والأعمال الفنية والحرفية، فإنه إن لم يفعل ذلك سيجد نفسه بعد سنوات قد فقد صلته بالمجتمع المحيط به وبالأجيال الصاعدة.

2 -أن يرسم الداعية لنفسه خطة للثقافة الذاتية الجادة ليحقق فهمًا للإسلام وأحكامه و للمجتمع الواقع المحيط ، فالعمل الجماعي وأصوله وقواعده يعتمد على المصادر الأولية والبحث العلمي، و أن يتجاوز الكتب المبسطة، أو الكتب المختصرة المتكررة.

3 -أن يشترك الداعية في مكتبة عامة و يتتبع المجلات المختصة والنتاج الفكري الجديد في مجال واحد يختاره.

4 -أن يغتنم الفرص التي تتيحها المؤسسات التي يعمل بها أو يدرس فيها ، كالدورات مثلًا، و لا يزهد بها أو تمنعه مشاغله أو ضعف همته و إرادته للحول بينه و بينها.

5 -حيازة أكبر قدر ممكن من المهارات العملية والفنية والحرفية، كرخصة السوق والحاسوب والمقالة الصحفية والأدبية والرسم، أو المهارات اليدوية والفنية كصيانة السيارات والأجهزة والحدادة والنجارة وكل ما ينفع المسلم والمسلمين، والسعي الدائم للاعتماد على النفس في أداء الأعمال اليومية واحتياجاته الضرورية ، قال صلى الله عليه وسلم:"ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده".

6 -المشاركة في الدورات التي تعقدها مؤسسات شتى لقاء أجر، كالمراكز المهنية الأهلية المختلفة.

7 -إتقان لغة أجنبية ليوسع الداعية مداركه ويزيد بها ثقافته.

و أخيرًا فثمة أوصاف و شروط تلزم الداعية والمشاركين في العمل الإسلامي , نذكر الدعاة بها ليسعوا إلى تحقيقها:

-رحابة الصدر و سعة الأفق.

-احتمال الرأي الآخر والرضا برأي الغالبية.

-فهم الأحداث الجارية و ربطها و تفسيرها.

-فهم المجتمع المحيط فهمًا أصيلًا يشمل تاريخه ونشأته وأسبابه الحضارية والثقافية والاقتصادية والخدمات والمرافق.

-دراسة تاريخ الدعوة الإسلامية و مبادئها، و سبر أعماق العمل الإسلامي الاجتماعية و التنموية و النقابية.

-اغتنام الوقت وحسن تقسيمه.

-القدرة على الإدارة و التخطيط، و إدراك أصول العمل الجماعي وقواعده العلمية ,

ولا بد أن يحقق الداعية في نفسه جملة من الأخلاق و الشروط ذكرناها آنفًا، لكننا نوردها هنا ليفهم الداعية أنها إطار التكوين الذاتي و جوهره، وبدونها يفقد العمل معناه، ولا يختلف عن سواه من الأعمال، وهي: تقوى الله وعبادته والإنابة إليه، والشجاعة والكرم والحلم والأناة، والقدوة الحسنة وسائر ما وصى به ديننا الحنيف وما تسعى إليه الدعوة الإسلامية ليتحلى به أبناؤها: (و لباس التقوى ذلك خير) ، (و اتقوا الله و يعلمكم الله) .

كاتب المقال: إبراهيم غرايبة. ( تصرف )

للدعاة: اثنتا عشرة وسيلة لكظم الغيظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت