الصفحة 1004 من 3812

يعيش الدعاة اليوم معركة، بل معارك، ويواجهون تحديات عظيمة وسهامًا حادة، تخترق الصميم وتنقل الدعاة من جو الهدوء والوقار والسكينة إلى جو الصخب والشائعات وهتك الأعراض دون مخالفة ولا ريب، فكيف يتحقق لهم ملك النفس وخطم جماحها، ورفع الهمة عن مسايرة هذه الهمم الوضيعة والصبر عليها..

والأعظم من ذلك الأخذ بيدها للارتقاء إلى منازل أصحاب الهمم العالية، المشمرين إلى الله تعالى.

وتتمثل قول القائل:

إذا أدمت قوارصكم فؤادي صبرت على أذاكم وانطويت

وجئت إليكم طلق المحيا كأني ما سمعت ولا رأيت

ولا شك أن الصبر على الأذى وكظم الغيظ والحلم والعفو عند المقدرة هي أخلاق أنبياء الله وصفوته من خلقه ومن تبعهم من أوليائه المخلصين الصادقين الذين رفع الله مكانتهم وأعلى قدرهم، فكانوا جبالًا وقممًا صلبة وراسخة، فأتاهم وابل السهام المصوبة فتحطم عن صخورها الأبية، ويعود بعضها إلى صدر من رماها منتكسة.

لذا كان لزامًا على الداعية المسلم أن يملك نفسه ويسعى للتخلق بهذه الأخلاق العظيمة في جميع مجالات الدعوة وميادينها، ومنها مجالات الحوار والكتابة والرد على المخالفين.

قال تعالى:"خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ".

وقال تعالى:"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".

وقال تعالى:"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ".

وتحقق لهم محبة الله كما في قوله:"وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في بيان سبب محبة الله لهم:"لأن درجة الحلم والصبر على الأذى والعفو عن الظلم، أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام"اهـ.

ولدفع أذى الخلق ونيل الدرجات العالية، والوصول إلى هذه المرتبة من الحلم والصبر وسلامة الصدر على العبد أن ينظر إلى عدة أمور:

الأول: القدر وإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الثاني: التحلي بالصبر وليتأمل ما أعده الله للصابرين عن حسن العاقبة وموفور الجزاء، ولن ينال ذلك إلا بالصبر.

كما قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ"وعلم أنه إن لم يصبر اختيارًا على هذا وهو محمود، صبر اصطبارًا على أكبر منه وهو مذموم".

الثالثة: عاقبة العفو والصفح والحلم، وفي الحديث عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (رواه مسلم) ، والعز هنا يشمل عزًا ومحبة في قلوب الخلق في الدنيا وعزًا في الآخرة.

الرابع: أن يرضى بما أصابه، وهذا فوق ما قبله، وهذه منزلة عظيمة لا ينالها إلا أصحاب الهمم العالية، ولا سيما إن كان ما نالها كان السبب القيام بحقّ الله تعالى.

الخامس: مقابلة الإساءة بالإحسان، فكلما أساء إليه الخلق أحسن إليهم، وليستشعر العبد أنه بهذا الإحسان يزيد إليهم شيئًا من إحسانهم إليه بإهدائهم إياه حسناتهم وأجورهم!

وهذا مما يجعل الأمر يهون على العبد، فيعلم أنه يكافئهم على ما أهدوه إليه من عظيم الأجر، وما تحملوا عنه من عظيم الوزر.

السادس: سلامة الصدر، فلا يشغل قلبه بما لا يعنيه، وليعلم أنه كما اشتغل العبد بشيء من هذه الأمور فاته ما هو أهم وأنفع له من الإقبال على الله ورجاء ثوابه.

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ"وهذا مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته".

السابع: حصول الأمن، فالعفو والحلم يقتلعان العداوة ويقضيان عليها، بخلاف الانتقام الذي يزيدها ويشعلها، فتزرع العداوات وتزداد الضغائن، فلا يأمن العبد عندها من مباغتة عدوه.

الثامن: دفع ثمن البيعة، فالمؤمن قد عقد الصفقة مع الله:"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ".

فإن كان الذي ناله من الأذى في سبيل الله، فلا يحق له أن يطلب لذلك عوضًا غير السلعة التي وعده الله تعالى بها وهي الجنة.

قال تعالى في ذكر وصية لقمان عليه السلام لابنه:"وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ".

ولما عزم الصديق على أن يأخذ من المشركين ديات المسلمين وأموالهم التي أتلفت في حرب الردة، قال عمر رضي الله عنه:"تلك دماء وأموال ذهبت في الله، وأجورها على الله، ولا دية لشهيد".

وهذا مشهد من الصحابة ولم يعرف له مخالفًا، فكان هذا إجماعًا.

التاسع: عظيم المنّة في هذه النعمة، وذلك يظهر من وجوه:

1ـ كونه جُعل مظلومًا يرجو من الله النصر، ولم يكن ظالمًا ينتظر من الله البطش والعقوبة.

2ـ التكفير من خطاياه وذنوبه، فما يصيب العبد من شيء حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"."

3ـ أن يحمد الله أنها لم تكن في دينه، وينظر إلى ما هو أعظم منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت