فهرس الكتاب
ومن أصول الحكمة مراعاة حال المدعوين، إذ ليس من الحكمة استخدام أسلوب واحد في الدعوة مع الكبير والصغير، والرجل و المرأة، والمتعلم والجاهل، والرئيس والمرؤوس، والهادئ والغضوب، بل لا بد من تنويع أسلوب المخاطبة كل بما يناسبه.
يقول تعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ) إبراهيم: 4.
إن الداعي الناجح هو الذي يعطي كل إنسان ما يلزمه من أفكار وتوجيهات، ويحاول أن يقنعه بالأسلوب الذي يناسبه، ويناسب مداركه.
يقول سماحة الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ: (ومن الحكمة إيضاح المعنى وبيانه بالأساليب المؤثرة التي يفهمها المدعو وبلغته التي يفهمها حتى لا تبقى عنده شبهة، وحتى لا يخفى عليه الحق بسبب عدم البيان، أو بسبب عدم إقناعه بلغته، أو بسبب تعارض بعض الأدلة، وعدم بيان المرجح، فإذا كان هناك ما يوجب الموعظة، وعظ وذكر بالآيات الزواجر، والأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، حتى ينتبه المدعو، ويرق قلبه، وينقاد للحق، فالمقام قد يحتاج فيه المدعو إلى موعظة وترغيب وترهيب على حسب حاله، وقد يكون مستعدًا لقبول الحق، فعند أقل تنبيه يقبل الحق، وتكفيه الحكمة، وقد يكون عنده بعض التمنع، وبعض الإعراض فيحتاج إلى وعظ، وإلى توجيه، وإلى ذكر آيات الزجر ) من أقوال الشيخ ابن باز في الدعوة ص/64
ومن مراتب الحكمة المجادلة بالتي هي أحسن من ضرب الأمثلة، وبيان الحق بالأدلة العقلية والنقلية، وإعطاء الحجج الصادقة، ونقض الحجج الباطلة، مع تحري الوصول إلى الحق.
يقول الله تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) العنكبوت: 26.
وليحذر الداعي أن يتحول قصده من الدعوة إلى إظهار التفوق في النقاش، أو الغلبة في الجدل، ولكن ليكن القصد والغاية الإقناع والوصول إلى الحق.
كما أن من أعلى المراتب التي يجب أن يتحلى بها الداعي إلى الله دفع السيئة بالحسنة، وهي مرتبة رفيعة لا ينالها إلا فئة نالت حظا عظيما كما قال سبحانه وتعالى: ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) فصلت: 34-35.
وفي جميع الأحوال يجب على الداعي قول الحق، والصبر على الأذى، صبر المؤمنين العاملين، لا صبر الخانعين المستسلمين.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم) .
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كاتب المقال: زاحف
المصدر: المفكرة الدعوية
الدعاة .. وفن احتواء الآخرين
القدرة على احتواء الآخرين مطلب تكتمل به شخصية صاحب الدعوة، وحاجة من احتياجات الطريق حتى تستطيع الدعوة مواصلة السير واستيعاب الطاقات وتشغيلها، فالطريق طويل، والدعوة التي تُنفر الناس منها ولا تعبأ باحتوائهم لن يكتب لها النجاح، وكيف تنجح وهي منبوذة من الآخرين، مكروهة منهم؟.
احتواء الآخرين يعني قدرة صاحب الدعوة"الداعية"على جذب الناس وضمهم إلى سفينة الدعوة، والداعية الناجح هو القادر على الوصول بدعوته وفكرته إلى الناس، والتأثير فيهم، على اختلاف طبائعهم.
وصاحب الدعوة الذي لا يتوافر فيه الحد الأدنى من القدرة على احتواء الآخرين قد لا يكون فقط عاجزًا عن جذب الناس إلى دعوته، بل قد يكون مسيئًا للدعوة مسببًا الحرج لها، كما أن المقصد الأسمى من احتواء الآخرين عدم استعدائهم للدعوة، وتحييدهم على أسوأ تقدير.
ولن يستطيع أي شخص مهما كانت قدراته وإمكاناته الوصول إلى هذه المكانة إلا بامتلاك قلوب الآخرين، وكسب ودّهم.
فكيف نحب الآخرين ونصل إلى قلوبهم كبداية لاحتوائهم واستيعابهم داخل الدعوة؟
كل داعية يتمنى أن يحظى بحب الآخرين.. ولكن ليس كل ما نتمناه ندركه.. ولن نصل إلى تحقيق هذه الأمنية إلا إذا كانت لدينا الرغبة الحقيقية الصادقة في الوصول إلى قلوب الآخرين، ثم أخذنا بالأسباب لتحقيق هذا الهدف.
فكيف نكسب ود الآخرين؟
1-تعرف جيدًا على إخوانك:
"تعرف إلى من تلقاه من إخوانك وإن لم يُطلب منك ذلك"، تلك الوصية البليغة من الإمام الشهيد حسن البنا ترمي إلى المعايشة، وأن يُصهر الجميع في بوتقة الأخوة والأنس والقرب، ولن يتأتى ذلك من أفراد لا يعرفون بعضهم حق المعرفة، وإلا فكيف أتقرب إلى إنسان لا أعرف ما يضايقه وما يفرحه؟ ما يسره وما يعكر عليه صفوه؟ فذلك بالتأكيد سيساعدنا على عدم الاصطدام بطبائع الآخرين.
2-لا تفرض نفسك عليهم:
من الأشياء التي تؤدي إلى نفور الأقران بعضهم من بعض، محاولة فرض الآراء الشخصية في بعض الموضوعات التي تُمثل خصوصية عند صاحبها، أو محاولة التطوع والتطفل لمعرفة مشكلة ما وإبداء النصح فيها، عليك إذن أن تتجنب مثل هذا التصرف، ولا تتبرع بالتدخل في شؤون الآخرين الخاصة، وانتظر حتى يُطلب منك ذلك.
3-لا تُكثر من نقدهم:
النقد الكثير لمن حولنا يتنافى مع الرغبة في كسب ودهم، فمن تنقده يضع نفسه في وضع الدفاع، ويحاول بكل ما أُوتي من قوة أن يثبت لك صوابه وخطأك، فالنقد يصيبهم في كبريائهم بجرح دامٍ، ويؤدي إلى تحرك شعور سلبي تجاه من انتقدهم.
4-عاملهم بما تُحب أن يُعاملوك به: