فهرس الكتاب
امتثلي قوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف: 108
فمن الخطأ رسم مخطط لسير الإشراف على الحملة والتوعية في الحج، ثم أجعل أهم أهدافي تطبيق هذه الخطة الدعوية بدقة وفي الأوقات التي حددتها من قبل، دون النظر إلى المستجدات الحاصلة، بل كوني غاية في المرونة، واعرفي ما دورك وما مكانك، فإن هذه المرونة تجعل عندك أهدافا معينة في الذهن تساعدك على إعادة التخطيط سريعًا، فالتشبع بالهدف هو الأساس، ودورك تنزيله على أرض الواقع.
إذًا: كوني على بصيرة:
عرّف أهل العلم البصيرة, وهي:
1-البصيرة بحكم الشرع:- ولا يعني هذا أن يكون الداعية عالما بكل المسائل، فقيهًا كبيرًا، ولكن فهم المسائل منضبطة بأدلتها، مع العلم بالأهم فالمهم هو المطلوب.
فيعرف الداعية ما المسائل التي تناقش، مع علمه بالأهم فالمهم، والمناسب للمجتمع الذي تُطرح عليه المسائل.
2-البصيرة بحال المدعو:- أي معرفة بيئة المدعوِّين، لذلك احملي معكِ كتبا لأهل العلم، ولا تقيسي النجاح في الحملة بتنفيذ خطتك المرسومة كاملة.
مثال: قد تحضِّرين درسًا عن البدع، فتجدي أناسا سليمين من البدع، فالأفضل عدم تخصيص محاضرة كاملة عن البدع، أو أذهب لأناس من أهل بدعة المولد وأحدِّثهم عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها من الحقوق الواجبة على كل مسلم، هذا فيه تشجيع لهم على التمسك ببدعتهم، إن تحدثتِ عن المحبة على وجه العموم دون بيان حدودها وضوابطها والمسائل التي قد تدخل عليها فتقلبها إلى مظاهر بدعية، فهؤلاء ما قاموا بالبدعة إلا محبةً للرسول صلى الله عليه وسلم على حدِّ زعمهم.
وربما تجهزين موضوعًا عن أثر الحضارة في انشغال الأمة، ويكون الكلام عن الجوالات والإنترنت وسوء استخدامهما، والشريحة أمامك من المدعوِّين لا يفقهون عن ذلك شيئًا أو لا يفقهون من ذلك إلا قليلا، فمن العبث أن أخصص درسًا كاملًا عن هذه الوسائل لهذه الفئة.
ومما يجدر الإشارة إليه قاعدة:
( درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح ) :
هذه قاعدة جليلة، ومن المهم تطبيقها في المجالات الدعوية .
كيف يمكن تطبيق مثل هذه القاعدة في العمل في المخيمات:
أحيانًا نطرح موضوعات قد تدور حولها نقاشات وإشكالات، فتقع المفاسد وتطغى على المصلحة، وهي الاستفادة من طرح أصل المسألة .
مثال: محاضرة عن صفة الصلاة، ثم يطرح فيها مسائل القصر في الصلاة والخلاف بين أهل العلم في مسافة القصر، ماذا تتوقعين أن يحدث ..
قد تكون فئة من السامعات لديهن رأي مخالف، أو ذوات مذاهب أخرى، عندها ستبدي كل واحدة منهنَّ رأيها، بل قد تردُّ هذه على تلك و...
لذلك: من الأفضل عدم تعرض النساء لطرح المسائل الفقهية سيما المسائل الخلافية، بل اتركي المجال للشيوخ من الرجال في المخيم، لأن الطرح النسائي في المسائل الفقهية غالبًا ما يكون ضعيفًا من جهة، ومن جهة أخرى عدم القوة في الاستدلال، عندها سيختلف الناس ونخسر الدعوة.
في المقابل نجد أن المسائل العقدية جلية، وأدلتها ظاهرة، لا خلاف فيها البتة عند أهل المعتقد السليم.
لكن لا يعني هذا المنع للدروس الفقهية في الحج بالكلية، بل تطرح المسائل مُقَنَّنة بأدلتها دون التعرض للخلاف.
على سبيل المثال: الكلام عن صفة وضوء النبي وصلاته، كذلك صفة الحج مستعينة بالرسائل والكتب لأهل العلم الراسخين.
نكرر: لا تقيسي النجاح في الحملة على أن تُسيِّري التخطيط كما كتبتِه من قبل، بل القضية: غاية في التشبع بالأهداف + غاية في المرونة.
علم + فقه الواقع = الحكمة في الطرح.
فلا ينبغي أن نفرد فقه الواقع دون العلم الشرعي؛ لأنه سيؤدي إلى البحث عن الطرق والأساليب المتنوعة وجذب الناس فقط، وقد تُقترح حلول غير منضبطة شرعًا.
لذلك نجد ما يسمونه بالترفيه يوم العيد في المخيمات، ولنا في هذا الموضوع وقفة:-
يقول الله تبارك وتعالى في معرِض الكلام عن الحج: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج:32
وقوله تعالى: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } الحج:30
فالحج موطن من أهم المواطن لظهور تعظيم الله فيه، والتعظيم أحد مقاصد الحج, ومن مظاهره بذل الجهود في الطاعة وفق ما شرع الله عز وجل.
ثم اعلمي أن مِنى من الحرَم، وعليّ أن أتصرف فيها كما أتصرف في أي بقعة من بقاع الحرم، ومعلوم أن من حقوق الحرم علينا: لا تُلتقط لقطته، ولا يؤخذ من شجره، ولا يعضد شوكه.
كلُّ هذا تعظيمًا لله عزّ وجلّ، ولهذا نسأل: هل هذه المشاعر سيستشعرها كل من يذهب إلى منى، أم هي مجرّد انتقالات من مكان لآخر..
أيغُّرنا العيد ونقول: يجب إظهار الفرح بتزيين الأماكن وضرب الدُّف والإنشاد و..و..و..
أختي الحبيبة: يجب ألا يغيب عن ذهنك أن ما هذه البقعة إلا بقعة خاصة شرفها الله دون بقاع الأرض، بإظهار شعائره تعظيمًا لله، من الذبح في يوم العيد والتكبير له سبحانه.
وقد مُنع العبد من أشياء كثيرة، حتى صلاة العيد لا تُصلًّى مادام في مِنى، فكيف بهذه الاحتفالات.
لذلك نقول: يا مشرفات الحملات وجهوا الناس للعبادة ولا تكونوا مصادر لشغل الناس عنها, فالنجاح لا يعني إسعاد الناس وإدخال السرورعليهم يوم العيد بهذه التجاوزات الحاصلة في بعض المخيمات من أجل الترفيه يوم العيد، بل المطلوب تهيئة الجوّ للتوجه للعبادة والتجرد لله تعالى.