الصفحة 1074 من 3812

17.اهتم بالتجديد والإبداع ولا تكن كابنة الجبل - الصدى -، وتجنب تكرار الكلمات والجمل والأفكار إلا ما كان لضرورة ملحة؛ لأن التكرار مجلبة للملل.

18.التزم جانب الهدوء وحسن الأدب وابتعد عن التشنج والانفعال؛ وتوقع المعارضة والمخالفة لرأيك وربما سوء الفهم لمقالك.

19.ابذل وسعك واستفرغ جهدك لاختيار عنوان جذاب مميز؛ وكن لطيفًا في الاستهلال وقويًا في الختام؛ ولا تحرم قارئك من وسيلة للتواصل بسؤال أو اعتراض أو استيضاح.

20.دع القلم يجري خاطًا مداده على القرطاس، وإياك إياك والتوقف؛ فإن الماء إذا ركد أسن، ولا تستعجل النشر أو تستبطئ الثمرة؛فمن كانت همته عالية؛ فسيبلغ حتمًا مكانة عالية.

كاتب المقال: أحمد بن عبد المحسن العساف

صناعة الفكرة

الكتابة المبهرة هي التي تحتوي على عنصرين مهمين، هما: الفكرة والبيان؛ وإذا ما تخلفت الفكرة فالكتابة مجرد زخارف لفظية ومحسنات وسجع قد يطرب لها السامع ثم يملها، بل ويمجها حين يعرضها على عقله فلا يكاد يفهم منها معنى أو مغزى، وقد تكون الفكرة حاضرة لكن ينقصها البيان العذب والكلمات الفخمة فتكون كأجمل إنسان لا يجد غير الخَلِق المرقع من الثياب ، فلا تنفعه ملامحه مادامت بلا حلة تنجذب لها العيون وتنقاد لها النفوس؛ وكم من حق ضاع بسوء التعبير وكم من باطل سرى بطلاوة الكلام وحلو الحديث، أما تلك التي تفقد العنصرين معًا فليست كتابة أصلًا ويصدق عليها وصف الهذيان وهمهمات المجانيين، وتكون كما قال ابن دقيق العيد بعد جلوسه إلى الصوفي ابن سبعين:"جلست معه من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يتحدث بكلام تفهم مفرداته ولا تعقل مركباته".

وقد ابتلي الناس بمطبوعات ووسائل نشر تقذف يوميًا أو أسبوعيًا أو دوريًا أو غير ذلك، مقالات ودراسات وكتبًا يكاد يحلف قارئها يمينًا مغلظة بين الركن والمقام أنها كتبت بالقدم لا باليد، أو أنها كتبت ساعة مس أو صرع أو خبل منقطع أو متصل، وما حل بنا هذا البلاء المتناسل إلا من شهوة الكلام وحب التزيد وداء الغرور ومرض الشهرة ولو بشر حال وسوء مقال؛ وبالله الحفيظ نستعيذ من الخذلان.

إن الفكرة عزيزة المنال صعبة البلوغ ولا تأتي لأي أحد ولا تنقاد بسهولة ويسر، بل قد تتمنع على الفطاحلة الكبار والأساطين العظام حتى يقول الكبير المقدم فيهم: لا أجد ما أقوله، أو لا أستطيع التعبيرعما يجيش في نفسي، وأضرابها من العبارات التي لا تخفى على من قرأ الكبار وقرأ لهم.

والفكرة إما أن تكون جديدة لم يسبق إليها فيكون صاحبها أول من جاء بها، وقد تكون قديمة لكنها تطرح بطريقة جديدة أو من وجه لم يذكره أحد؛ وكم ترك الأول للآخر. ويتبادر كثيرًا إلى الذهن سؤال مفاده: كيف نصنع الفكرة؟

لصناعة الفكرة عدة طرق، منها:

1.التفكير: وهو أكبر مصنع لها؛ وبواسطته تتولد الأفكار من الطرق التي بعده فكلها يجتاز من خلاله إلى العالم الخارجي.

2.الملاحظة والتأمل: وهما فرع من التفكير، وإنما خصصتهما بالذكر لقربهما وسهولة استخدامهما؛ وكم من شيء أو مشهد يمر بنا كثيرًا ولو تأملناه لظفرنا بفكرة أو خاطرة.

3.الإنصات: حيث إن سماع أحاديث الناس منجم للأفكار؛ ولا يذهب بك الظن بعيدًا؛ فلست أعني صنفًا واحدًا من البشر؛ بل كل من سنحت لك الفرصة أن تستمع إليه - دون تضييع الوقت - فاستفد منه ولو كان طفلًا أو عاميًا أو ضعيف إدراك، وقد روي عن الجاحظ أنه كان يجلس لكل أحد مما جعل ذهنه متوقدًا متدفق الأفكار عن أصناف الناس.

4.أحداث الساعة: وهي من أكثر المصادر استخدامًا من قبل المتحدثين والكتاب.

5.التخيل والافتراض: ولا بأس في ذلك إن شرعًا أو عقلًا، حتى لو كان المفترض ممنوع الوقوع مستحيلًا بدلالة غير آية من التنزيل الحكيم.

6.الحوار والمناقشة: خاصة عندما يكون مع شخص مُلهِمٍ للأفكار، حتى لو كنا نخالفه تمامًا؛ ولاقتناص الأفكار من المتحدثين براعة قل من يجيدها وقليل من المجيدين من ينسب أفكاره.

7.استخدام الأفكار المتداولة اختصارًا: أو زيادة أواستفسارًا أو تعقيبًا، وهذا من أسهل ما يكون.

8.الاستفادة من الموروث الشعبي المحلي أو العالمي لتوليد الأفكار، ويدخل ضمن ذلك الأمثال والقصص، وكذلك النظر في عادات الشعوب وأخلاقهم.

9.ومن جملة تسخير الحيوان للإنسان أن في طباعها ونظامها منبعًا لا ينضب للأفكار، ومن نظر في حياة الحيوان الكبرى للعلامة الدميري أو غيره تيقن من ذلك.

10.القراءة: ومهما قال الناس في الكتاب، ولذة التنزه في عقول الرجال فلن يوفوه حقه ولا معشاره؛ وأجل وأكرم وأنفس ما يقرأ كتاب الله العزيز وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم كتب العلم فكل كتاب استيقن الواحد منا فيه المنفعة أو أمن منه المضرة؛ ويحسن التنبيه إلى أنه لا يجوز السماح للبوارق والقدحات الذهنية أن تجعل صاحبها مستسهل التقول على الله ورسوله بغير علم؛ بل يجب الرجوع إلى التفاسير والشروحات السلفية كي لا تزل قدم بعد ثبوتها.

وبعد ولادة الفكرة وصناعتها ينبغي التريث حتى تنضج على نار هادئة من الفكر النير المتزن قبل نشرها، ثم يبحث صاحب الفكرة ما وسعه الجهد وأسعفه الوقت عن فكرة مماثلة أو مناقضة لتجويد الصناعة وحمايتها من العوارض؛ وإن حادث المفكر عقلًا يأنس إليه، وروحًا يشعر بطهارتها قبل النشر فخير على خير.

وتبقى مسائل لابد من الإشارة العاجلة إليها، وهي:

1.هل الفكرة حسنة لك عند الله أم سيئة؟

2.هل تنفع فكرتك البلاد والعباد؟

3.هل هذا هو التوقيت المناسب لعرض الفكرة؟ وما هو المكان المناسب لنشرها؟

4.هل الأفضل لك كثرة الأفكار أم قلتها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت