الصفحة 126 من 3812

قال القرطبى: قوله: { والسمآء ذَاتِ البروج } : قسم أقسم الله - عز وجل - به . وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم . والثانى: ذات القصور . . الثالث: ذات الخَلْق الحسن . الرابع: ذات المنازل . . وهى اثنا عشر منزلا . .

وقوله: { واليوم الموعود } المقصود به: يوم القيامة ، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به ، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .

وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى - . والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية ، فالشاهد هو الرائى ، أو المشهود عليه بأنه حق .

فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين ، وما يراه فيه من عجائب وأهوال ، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور ، أو من يشهد في ذلك اليوم على غيره ، من الشهادة على الخصم .

وقد ذكر المفسرون في معنى هذين اللفظين ، ما يقرب من عشرين وجها .

قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه . والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم . وبالمشهود: ما في ذلك اليوم من عجائبه . ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما ، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة . وقيل: عيسى وأمته . وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم . وقيل: يوم التروية ويوم عرفة . وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة . وقيل: الحجر الأسود ، والحجيج . وقيل: الأيام والليالى . وقيل: الحفظة وبنو آدم . .

ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر في ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، والرائى لأهواله وعجائبه .

وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد في ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان .

وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير ، لتهويل أمرهما ، وتفخيم شأنهما .

وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود } جواب القسم بتقدير اللام وقد .

أى: وحق السماء ذات البروج ، وحق اليوم الموعود ، وحق الشاهد والمشهود ، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود ، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم .

والأخدود: وهو الحفرة العظيمة المستطيلة في الأرض ، كالخندق ، وجمعه أخاديد ، ومنه الخد لمجارى الدمع ، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها .

ويقال: تخدد وجه الرجل ، إذا صارت فيه التجاعيد . . ومنه قول الشاعر:

ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه ، نقى اللون لم يتخدد

وقيل: إن جواب القسم محذوف ، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود . وأصحاب الأخدود: هم قوم من الكفار السابقين ، حفروا حفرا مستطيلة في الأرض ، ثم أضرموها بالنار ، ثم ألقوا فيها المؤمنين ، الذين خالفوهم في كفرهم ، وأبوا إلا إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده .

وقوله - سبحانه -: { النار ذَاتِ الوقود } بدل اشتمال مما قبله وهو الأخدود .

والوقود: اسم لما توقد به النار كالحطب ونحوه . وذات الوقود: صفة للنار .

أى: قتل وطرد من رحمة الله أصحاب الأخدود ، الذين أشعلوا فيه النيران ذات اللهب الشديد ، لكى يلقوا المؤمنين فيها .

والظرف في قوله - تعالى - { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } متعلق بقوله - تعالى -: { قتل } أى: لعنوا وطردوا من رحمة الله ، حين قعدوا على الأخدود ، ليشرفوا على من يعذبونهم من المؤمنين .

فالضمير"هم"يعود على أولئك الطغاة الذين كانوا يعذبون المؤمنين ويجلسون على حافات الأخدود ليروهم وهم وهم يحرقون بالنار ، أو ليأمروا أتباعهم وزبانيتهم بالجد في التعذيب حتى لا يتهاونوا في ذلك .

و { على } للاستعلاء المجازى: إذ من المعلوم أنهم لا يقعدون فوق النار ، وإنما هم يقعدون حولها ، لإِلقاء المؤمنين فيها .

وجملة { وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ } فى موضع الحال من الضمير في قوله: { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } . أى: أن هؤلاء الطغاة الظالمين ، لم يكتفوا بإشعال النار ، والقعود حولها وهم يعذبون المؤمنين ، بل أضافوا إلى ذلك ، أنهم يشهدون تعذيبهم ، ويرونه بأعينهم على سبيل التشفى منهم ، فقوله { شهود } بمعنى حضور ، أو بمعنى يشهد بعضهم لبعض أمام ملكهم الظالم ، بأنهم ما قصروا في تعذيب المؤمنين ، وهذا الفعل منهم . يدل على نهاية القسوة والظلم ، وعلى خلو قلوبهم من أى رحمة أو شفقة .

قال الآلوسى: وقوله: { وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ } أى: يشهد بعضهم لبعض عند الملك ، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به ، أو يشهدون عنده على حسن ما يفعلون . . أو يشهد بعضهم على بعض بذلك الفعل الشنيع يوم القيامة ، أو يشهدون على أنفسهم بذلك ، كما قال - تعالى -: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .

وقيل:"على"بمعنى مع . أى: وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور ، لا يرقون لهم ، لغاية قسوة قلوبهم . .

ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت هؤلاء الطغاة على إحراق المؤمنين فقال: { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد . الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .

والنقمة هنا بمعنى الإِنكار والكراهية . يقال: نقَم فلان هذا الشئ ، - من باب ضرب - إذا كرهه وأنكره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت