الصفحة 127 من 3812

أى: أن هؤلاء الكافرين ما كرهوا المؤمنين ، وما أنزلوا بهم ما أنزلوا من عذاب ، إلا لشئ واحد ، وهو أن المؤمنين أخلصوا عبادتهم لله - تعالى - صاحب العزة التامة ، والحمد المطلق ، والذى له ملك جميع ما في السموات والأرض ، وهو - سبحانه - على كل شئ شهيد ورقيب ، لا يخفى عليه أمر من أمور عباده ، أو حال من أحوالهم .

فالمقصود من هاتين الآيتين الكريمتين ، التعجيب من حال هؤلاء المجرمين ، حيث عذبوا المؤمنين ، لا لشئ إلا من أجل إيمانهم بخالقهم ، وكأن الإِيمان في نظرهم جريمة تستحق الإِحراق بالنار .

وهكذا النفوس عندما يستحوذ عليها الشيطان ، تتحول الحسنات في نظرها إلى سيئات وقديما قال المنكوسون من قوم لوط - عليه السلام - { أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } والاستثناء في قوله: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله . . . } استثناء مفصح عن براءة المؤمنين مما يعاب وينكر ، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قول القائل:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: { قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } قال الإِمام ابن كثير: وقد اختلفوا في أهل هذه القصة من هم؟ فعن على ابن أبى طالب: أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل زواج المحارم ، فامتنع عليه علماؤهم ، فعمد إلى حفر أخدود ، فقذف فيه من أنكر عليه منهم .

وعنه أنهم كانوا قوما من اليمن ، اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم ، فتغلب مؤمنوهم على كفارهم ، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين ، فخذا لهم الأخاديد ، وأحرقوهم فيها .

ثم ذكر - رحمه الله - بعد ذلك جملة من الآثار في هذا المعنى فارجع إليها إن شئت .

وعلى أية حال فالمقصود بهذه الآيات الكريمة ، تثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإِيمان وتسليتهم عما أصابهم من أعدائهم ، وإعلامهم بأن ما نزل بهم من أذى ، قد نزل ما هو أكبر منه بالمؤمنين السابقين ، فعليهم أن يصبروا كما صبر أسلافهم ، وقد اقتضت سنته - تعالى - أن يجعل العاقبة للمتقين .

ثم هدد - سبحانه - كفار قريش بسوء المصير ، إذا ما استمروا في إيذائهم للمؤمنين ، فقال - تعالى -: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق } .

وقوله: { فتنوا } من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان . تقول: فتنت الذهب بالنار ، أى: أدخلته في النار لتعلم جودته من رداءته ، والمراد به هنا: والتحريق بالنار .

أى: إن الظالمين الذين عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، وأحرقوهم بالنار ثم لم يتوبوا إلى الله - تعالى - من ذنوبهم ، ويرجعوا عن تعذيبهم للمؤمنين والمؤمنات ، فلهم في الآخرة عذاب جهنم ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم ، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها في الإِحراق .

والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: كفار قريش ، كأبى جهل وأمية ابن خلف . وغيرهما ، فقد عذبوا بلالا ، وعمار بن ياسر ، وأباه وأمه سمية .

ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش ، قوله - تعالى -: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } لأن هذه الجملة تحريض على التوبة ، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم .

ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، ويدخل فيه أصحاب الأخدود ، وكفار قريش دخولا أوليا .

وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم ، وبين عذاب الحريق ، لبيان أن العذاب لهم مضاعف ، بسبب طغيانهم وشركهم .

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال: { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ } الأعمال { الصالحات لَهُمْ } أى: عند ربهم { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } أى تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار { ذَلِكَ } العطاء هو { الفوز الكبير } الذى لا فوز يضارعه أو يقاربه . (1)

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4476)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت