فهرس الكتاب
ثم استمع إلى جوابه صلى الله عليه وسلم عن سؤال طرحته عليه عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد ؟! فكان جوابه: إن أشد يوم لقيه يوم خرج يعرض دعوته على أهل الطائف بعد أن يئس من أهل مكة، فإذا به يواجه بأقبح ردٍ وبأوقح جواب ..
فرجع مهمومًا محزونًا في حالة ذهول لم يفق منها إلا في العقبة على مشارف مكة المكرمة قائلًا: (( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي و قلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟! أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن رحمتك أوسع لي ) ).
فيجئ الجواب سريعًا من السماء على لسان جبريل عليه السلام: (( يا محمد هذا ملك الجبال فإن الله قد سمع مقالتك لقومك وما أجابوك به .. هذا ملك الجبال فمره بما شئت ) )، فإذا بالهم الحار منه صلى الله عليه وسلم، فليس مراده التشفي والانتقام ولكن همه ومراده دعوته ورسالته أن يهتدي بها الناس (( لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا ) )، فلا ينقطع أمل الرسول صلى الله عليه وسلم في هداية الناس ..
وكاد الأسى يقضي عليه حتى نزل من السماء نداء يسليه ويسري عنه: (( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون ) ).
(( فلعلك باخعٌ نفسك على أثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) ).
(( ولاتحزن عليهم ولا تكن في ضيقٍ مما يمكرون ) ).
فكانت كل عداوة تنتهي بمجرد أن تكتب الهداية, انظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يستقبل عدوه وابن أشد الناس عداوة له، عكرمة بن أبي جهل لما دخل مكة فاتحًا فأهدر دمه، وفر عكرمة وضاقت عليه الأرض فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستيقنا أنه لج في كفر عميق تبين له بطلانه، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن عكرمة جاء مسلمًا .. فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم ينسى عداوة أبيه الطويلة ويفرح قلبه ويستقبله قائلًا: (( مرحبًا بالراكب المهاجر ) )، ثم يصدر بياناَ إلى الناس ألا يسبوا أباه قائلاًَ: (( لا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ) ).
لقد كان الإنجاز الحقيقي الذي يسعى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حثيثًا يوم ينجي الله على يده كثيرًا من الناس؛ لذا نراه يتبع المرضى في فرشهم والموتى في أخر لحظات حياتهم علَّ الله أن ينقذهم من النار .
فهاهو يقف على سرير عمه أبو طالب وهو يودع الدنيا: (( يا عم قل لا إله إلا الله , كلمة أحاج لك بها عند الله ) )، ويظل يجادل عمه عله أن ينقذه من النار، ولكن الله غالب على أمره .. (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) ).
بل هاهو صلى الله عليه وسلم يسمع عن غلام يهودي مريض فيدخل بيته وإذا الغلام على فراش الموت، وأهله عنده، وأبوه عند رأسه، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يتوجه إليه فيعرض عليه الإسلام، ويتردد بصر الغلام بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبيه فيشير إليه أبوه: أطع أبا القاسم، فيقول الغلام: ( أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله) ، ثم مات الغلام .
ولم ينفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ولا موقف ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من بيت اليهودي فرحًا مسرورًا وهو يقول: (( الحمد لله الذي أنقذه بي من النار ) ).
فهنا لا عجب أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودع الحياة ويلفظ آخر أنفاسه يطلق تلك الدعوات والنداءات للأمة: (( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ) )فمازال يكررها حتى حشرج الصدر، وغرغر الحلق، واحتبست الأنفاس حتى ما يقوى صلى الله عليه وسلم أن يبين بها، إنه الهم الذي لم يلهه عنه الموت، ولا المرض، ولا السكرات، فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم .
هذا المعنى أيها الأحباب كان واضحًا لا يحتاج إلى توضيح؛ ولذا فقهته الأمة تمام الفقه، فإذا الجيل الأول يعيش حالة استنفار دعوي، فما انتشر الإسلام في مدة قصيرة إلا بسبب أن حياة السلف رضوان الله عليهم كانت كلها دعوة .
وقف رجل أمام أبي هريرة رضي الله عنه فصوب أبو هريرة فيه النظر ثم قال له بإيمان وتحنان: (( يا ابن أخي إني أرى قدميك صغيرتين، وإنك لن تعدم لهما موضعًا في الجنة ) ).
بل انظر إلى ذاك الأديم الممزق، أديم عمر رضي الله عنه، وجراحه نازفة .. وحياته توشك على الانتهاء، وأمر الأمة يُهمه وهو سيودعها، وإذا بشاب يدخل عليه يعزيه في نفسه ويقول: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ومن قدم في الإسلام، ثم وليت فعدلت ثم شهادة .. فاستقبل الفاروق البشرى وودع الشاب ببصره وهو يخرج من عنده منصرفا، فبصرت عينه بالشاب مسبلًا إزاره يجره على الأرض فقال: إليَّ بالغلام .. إليَّ بالغلام .. !!
ورجع الغلام إلى الفاروق .. فقال له وهو النازف في دمائه: (( يا ابن أخي: ارفع إزارك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك .. ) ).
هكذا أيها الأخوة نمر على هذه الصفحات السريعة لنعود إلى أنفسنا فنعرض عليها بشكل سريع هذه المواقف...
ولنسأل أنفسنا: كم يبلغ هم الدعوة وهداية الناس من همومنا ؟ وكم يأخذ وقته من أوقاتنا ؟ كم يأخذ الجهد فيه من جهودنا ؟
وسأطرح أسئلة سريعة يجيب عليها كل منا بينه وبين نفسه:
س1/ في مؤسساتنا وشركاتنا عمالة كافرة أو مسلمة جاهلة، فكم دعونا وكم اهتدى على أيدينا ؟؟
س2/ في بيوتنا خدم وخادمات، من منا دعا هذه الجالية ؟؟
س3/ بيوتنا .. أبنائنا .. زوجاتنا .. كم ننفق من الوقت لدعوتهم ؟؟
س4/ كم يبلغ الهم والحرص على صلاحهم واستقامتهم ؟؟ وكذلك زملائنا وأقاربنا ؟؟