فهرس الكتاب
المسألة الأولى: قوله: { أَرَأَيْتَ } خطاب لمن؟ فيه وجهان الأول: أنه خطاب للنبي عليه السلام ، والدليل عليه أن الأول وهو قوله: { أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْدًا } للنبي صلى الله عليه وسلم والثالث وهو قوله: { أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى } [ العلق: 13 ] للنبي عليه الصلاة والسلام فلو جعلنا الوسط لغير النبي لخرج الكلام عن النظم الحسن ، يقول الله تعالى يا محمد: أرأيت إن كان هذا الكافر ، ولم يقل: لو كان إشارة إلى المستقبل كأنه يقول: أرأيت إن صار على الهدى ، واشتغل بأمر نفسه ، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة ، فلو اختار الدين والهدى والأمر بالتقوى ، أما كان ذلك خيرًا له من الكفر بالله والنهي عن خدمته وطاعته ، كأنه تعالى يقول: تلهف عليه كيف فوت على نفسه المراتب العالية وقنع بالمراتب الدنيئة .
القول الثاني: أنه خطاب للكافر ، لأن الله تعالى كالمشاهد للظالم والمظلوم ، وكالمولى الذي قام بين يديه عبدان ، وكالحاكم الذي حضر عنده المدعي ، والمدعى عليه فخاطب هذا مرة ، وهذا مرة . فلما قال للنبي: { أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْدًا إِذَا صلى } [ العلق: 9 ] التفت بعد ذلك إلى الكافر ، فقال: أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرًا بالتقوى أتنهاه مع ذلك .
المسألة الثانية: ههنا سؤال وهو أن المذكور في أول الآية . هو الصلاة وهو قوله: { أَرَأَيْتَ الذى ينهى * عَبْدًا إِذَا صلى } والمذكور ههنا أمران ، وهو قوله: { أَرَءيْتَ إِن كَانَ على الهدى } في فعل الصلاة ، فلم ضم إليه شيئًا ثانيًا ، وهو قوله: { أَوْ أَمَرَ بالتقوى } ؟ جوابه: من وجوه أحدها: أن الذي شق على أبي جهل من أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام هو هذان الأمران الصلاة والدعاء إلى الله ، فلا جرم ذكرهما ههنا وثانيها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يوجد إلا في أحد أمرين ، إما في إصلاح نفسه ، وذلك بفعل الصلاة أو في إصلاح غيره ، وذلك بالأمر بالتقوى وثالثها: أنه عليه السلام كان في صلاته على الهدى وآمرًا بالتقوى ، لأن كل من رآه وهو في الصلاة كان يرق قلبه . فيميل إلى الإيمان ، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل ، وهو أقوى من الدعوة بلسان القول .
وفيه قولان .
القول الأول: أنه خطاب مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأن الدلائل التي ذكرها في أول هذه السورة جلية ظاهرة ، وكل أحد يعلم ببديهة عقله ، أن منع العبد من خدمة مولاه فعل باطل وسفه ظاهر ، فإذن كل من كذب بتلك الدلائل وتولى عن خدمة مولاه بل منع غيره عن خدمة مولاه يعلم بعقله السليم أنه على الباطل ، وأنه لا يفعل ذلك إلا عنادًا ، فلهذا قال تعالى لرسوله: أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة ، وتولى عن خدمة خالقه ، ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة ويعلمها ، أفلا يزجره ذلك عن هذه الأعمال القبيحة والثاني: أنه خطاب للكافر ، والمعنى إن كان يا كافر محمد كاذبًا أو متوليًا ، ألا يعلم بأن الله يرى حتى ينتهي بل احتاج إلى نهيك .
ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: المقصود من الآية التهديد بالحشر والنشر ، والمعنى أنه تعالى عالم بجميع المعلومات حكيم لا يهمل ، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فلا بد وأن يوصل جزاء كل أحد إليه بتمامه فيكون هذا تخويفًا شديدًا للعصاة ، وترغيبًا عظيمًا لأهل الطاعة .
المسألة الثانية: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى من طاعة الله فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد ، ولا يرد عليه المنع من الصلاة في الدار المغصوبة والأوقات المكروهة ، لأن المنهي عنه غير الصلاة وهو المعصية ، ولا يرد المولى بمنع عبده عن قيام الليل وصوم التطوع وزوجته عن الاعتكاف ، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضًا لعبادة ربه .
ثم قال تعالى: { كَلاَّ } وفيه وجوه أحدها: أنه ردع لأبي جهل ومنع له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات وثانيها: كلا لن يصل أبو جهل إلى ما يقول إنه يقتل محمدًا أو يطأ عنقه ، بل تلميذ محمد هو الذي يقتله ويطأ صدره وثالثها: قال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بما يعلم فكأنه لا يعلم .
ثم قال تعالى: { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ } أي عما هو فيه: { لَنَسْفَعًا بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة خَاطِئَةٍ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في قوله: { لَنَسْفَعًا } وجوه أحدها: لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع القبض على الشيء ، وجذبه بشدة ، وهو كقوله: { فَيُؤْخَذُ بالنواصى والأقدام } [ الرحمن: 41 ] وثانيها: السفع الضرب ، أي لنلطمن وجهه وثالثها: لنسودن وجهه ، قال الخليل: تقول للشيء إذا لفحته النار لفحًا يسيرًا يغير لون البشرة قد سفعته النار ، قال: والسفع ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر سميت بذلك لسوادها ، قال: والسفعة سواد في الخدين . وبالجملة فتسويد الوجهعلامة الإذلال والإهانة ورابعها: لنسمنه قال ابن عباس في قوله: { سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم } [ القلم: 16 ] إنه أبو جهل خامسها: لنذلنه .