فهرس الكتاب
المسألة الثانية: قرىء لنسفعن بالنون المشددة ، أي الفاعل لهذا الفعل هو الله والملائكة ، كما قال: { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ } [ التحريم: 4 ] وقرأ ابن مسعود لأسعفن ، أي يقول الله تعالى يا محمد . أنا الذي أتولى إهانته ، نظيره: { هُوَ الذى أَيَّدَكَ } [ الأنفال: 62 ] ، { هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة } [ الفتح: 4 ] .
المسألة الثالثة: هذا السفع يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار في الآخرة وأن يكون المراد منه في الدنيا ، وهذا أيضًا على وجوه أحدها: ما روي أن أبا جهل لما قال: إن رأيته يصلي لأطأن عنقه ، فأنزل الله هذه السورة ، وأمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبي جهل ويخر لله ساجدًا في آخرها ففعل ، فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه ، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعًا ، فقيل له مالك؟ قال: إن بيني وبينه فحلًا فاغرًا فاه لو مشيت إليه لالتقمني ، وقيل: كان جبريل وميكائيل عليهما السلام على كتفيه في صورة الأسد والثاني: أن يكون المراد يوم بدر فيكون ذلك بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى يجرونه إلى القتل إذا عاد إلى النهي ، فلما عاد لا جرم مكنهم الله تعالى من ناصيته يوم بدر ، روى أنه لما نزلت سورة الرحمن علم القرآن قال عليه السلام: لأصحابه من يقرؤها منكم على رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم ، فقام ابن مسعود وقال: أنا يا رسول الله ، فأجلسه عليه السلام ، ثم قال: من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن مسعود ، ثم ثالثًا كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقى عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جثته ، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة ، فافتتح قراءة السورة ، فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه وأدماه ، فانصرف وعيناه تدمع ، فلما رآه النبي عليه السلام رق قلبه وأطرق رأسه مغمومًا ، فإذا جبريل عليه السلام يجيء ضاحكًا مستبشرًا ، فقال: يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكي! فقال: ستعلم ، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في المجاهدين ، فأخذ يطالع القتلى .فإذا أبو جهل ، مصروع يخور ، فخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه ، ولعل هذا معنى قوله: { سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم } [ القلم: 16 ] ثم لما عرف عجزه ولم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة ، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبًا ، فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، فقال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي ولا أبغض إلي منه في حال مماتي ، فروى أنه عليه السلام لما سمع ذلك قال: « فرعوني أشد من فرعون موسى فإنه قال { ءامَنتُ } وهو قد زاد عتوًا » ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع ، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله ، ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفًا لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه: أحدها: أنه كلب والكلب يجر والثاني: لشق الأذن فيقتص الأذن بالأذن والثالث: لتحقيق الوعيد المذكور بقوله: { لَنَسْفَعًا بالناصية } فتجر تلك الرأس على مقدمها ، ثم إن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل بين يديه يضحك ، ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس ههنا مع الأذن ، فهذا ما روي في مقتل أبي جهل نقلته معنى لا لفظًا ، الخاطىء معنى قوله: { لَنَسْفَعًا بالناصية } .
المسألة الرابعة: الناصية شعر الجبهة وقد يسمى مكان الشعر الناصية ، ثم إنه تعالى كنى ههنا عن الوجه والرأس بالناصية ، ولعل السبب فيه أن أبا جهل كان شديد الاهتمام بترجيل تلك الناصية وتطييبها ، وربما كان يهتم أيضًا بتسويدها فأخبره الله تعالى أنه يسودها مع الوجه .
المسألة الخامسة: أنه تعالى عرف الناصية بحرف التعريف كأنه تعالى يقول: الناصية المعروفة عندكم ذاتها لكنها مجهولة عندكم صفاتها ناصية وأي ناصية كاذبة قولًا خاطئة فعلًا ، وإنما وصف بالكذب لأنه كان كاذبًا على الله تعالى في أنه لم يرسل محمدًا وكاذبًا على رسوله في أنه ساحر أو كذاب أو ليس بنبي ، وقيل: كذبه أنه قال: أنا أكثر أهل هذا الوادي ناديًا ، ووصف الناصية بأنها خاطئة لأن صاحبها متمرد على الله تعالى قال الله تعالى: { لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون } [ الحاقة: 37 ] والفرق بين الخاطىء والمخطىء أن الخاطىء معاقب مؤاخذ والمخطىء غير مؤاخذ ، ووصف الناصية بالخاطئة الكاذبة كما وصف الوجوه بأنها ناظرة في قوله تعالى: { إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } [ القياة: 23 ] .
المسألة السادسة: { نَاصِيَةٍ } بدل من الناصية ، وجاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة ، لأنها وصفت فاستقلت بفائدة .
المسألة السابعة: قرىء ناصية بالرفع والتقدير هي ناصية ، وناصية بالنصب وكلاهما على الشتم ، واعلم أن الرسول عليه السلام لما أغلظ في القول لأبي جهل وتلا عليه هذه الآيات ، قال: يا محمد بمن تهددني وأني لأكثر هذا الوادي ناديًا ، فافتخر بجماعته الذين كانوا يأكلون حطامه ، فنزل قوله تعالى: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية } وفيه مسائل: