فهرس الكتاب
المسألة الأولى: قد مر تفسير النادي عند قوله: { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر } [ العنكبوت: 29 ] قال أبو عبيدة: ناديه أي أهل مجلسه ، وبالجملة فالمراد من النادي أهل النادي ، ولا يسمى المكان ناديًا حتى يكون فيه أهله ، وسمي ناديًا لأن القوم يندون إليه ندًا وندوة ، ومنه دار الندوة بمكة ، وكانوا يجتمعون فيها للتشاور ، وقيل: سمي ناديًا لأنه مجلس الندى والجود ، ذكر ذلك على سبيل التهكم أي: اجمع أهل الكرم والدفاع في زعمك لينصروك .
المسألة الثانية: قال أبو عبيدة والمبرد: واحد الزبانية زبنية وأصله من زبنية إذا دفعته وهو متمرد من إنس أو جن ، ومثله في المعنى والتقدير عفرية يقال: فلان زبنية عفرية ، وقال الأخفش: قال بعضهم واحده الزباني ، وقال آخرون: الزابن ، وقال آخرون: هذا من الجمع الذي لا واحد له من لفظه في لغة الغرب مثل أبابيل وعباديد وبالجملة فالمراد ملائكة العذاب ، ولا شك أنهم مخصوصون بقوة شديدة . وقال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤسهم في السماء ، وقال قتادة: الزبانية هم الشرط في كلام العرب وهم الملائكة الغلاظ الشداد ، وملائكة النار سموا الزبانية لأنهم يزبنون الكفار أي يدفعونهم في جهنم .
المسألة الثالثة: في الآية قولان: الأول: أي فليفعل ما ذكره من أنه يدعو أنصاره ويستعين بهم في مباطلة محمد ، فإنه لو فعل ذلك فنحن ندعو الزبانية الذين لا طاقة لناديه وقومه بهم ، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية من ساعته معاينة ، وقيل: هذا إخبار من الله تعالى بأنه يجر في الدنيا كالكلب وقد فعل به ذلك يوم بدر ، وقيل: بل هذا إخبار بأن الزبانية يجرونه في الآخرة إلى النار القول الثاني: أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا أي لنسفعًا بالناصية وسندع الزبانية في الآخرة ، فليدع هو ناديه حينئذ فليمنعوه .
المسألة الرابعة: الفاء في قوله: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } تدل على المعجز ، لأن هذا يكون تحريضًا للكافر على دعوة ناديه وقومه ، ومتى فعل الكافر ذلك ترتب عليه دعوة الزبانية ، فلما لم يجترىء الكافر على ذلك دل على ظهور معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم .
المسألة الخامسة: قرىء: { ستدعى } على المجهول ، وهذه السين ليست للشك فإن عسى من الله واجب الوقوع ، وخصوصًا عند بشارة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ينتقم له من عدوه ، ولعل فائدة السين هو المراد من قوله عليه السلام: « لأنصرنك ولو بعد حين » .ثم قال: { كَلاَّ } وهو ردع لأبي جهل ، وقيل: معناه لن يصل إلى ما يتصلف به من أنه يدعو ناديه ولئن دعاهم لن ينفعوه ولن ينصروه ، وهو أذل وأحقر من أن يقاومك ، ويحتمل: لن ينال ما يتمنى من طاعتك له حين نهاك عن الصلاة ، وقيل معناه: ألا لا تطعه .
ثم قال: { لاَ تُطِعْهُ } وهو كقوله: { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } [ القلم: 8 ] ، { واسجد } وعند أكثر أهل التأويل أراد به صل وتوفر على عبادة الله تعالى فعلًا وإبلاغًا ، وليقل فكرك في هذا العدو فإن الله مقويك وناصرك ، وقال بعضهم: بل المراد الخضوع ، وقال آخرون: بل المراد نفس السجود في الصلاة .
ثم قال: { واقترب } والمراد وابتغ بسجودك قرب المنزلة من ربك ، وفي الحديث: « أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد » وقال بعضهم المراد: اسجد يا محمد ، واقترب يا أبا جهل منه حتى تبصر ما ينالك من أخذ الزبانية إياك ، فكأنه تعالى أمره بالسجود ليزداد غيظ الكافر ، كقوله: { لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار } [ الفتح: 29 ] والسبب الموجب لازدياد الغيظ هو أن الكفار كان يمنعه من القيام ، فيكون غيظه وغضبه عند مشاهدة السجود أتم ، ثم قال عند ذلك: واقترب منه يا أبا جهل وضع قدمك عليه ، فإن الرجل ساجد مشغول بنفسه ، وهذا تهكم به واستحقار لشأنه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . (1)
والتشنيع والتعجيب واضح في طريقة التعبير , التي تتعذر مجاراتها في لغة الكتابة . ولا تؤدى إلا في أسلوب الخطاب الحي . الذي يعبر باللمسات المتقطعة في خفة وسرعة !
(أرأيت) ? أرأيت هذا الأمر المستنكر ? أرأيته يقع ? (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ?) .
أرأيت حين تضم شناعة إلى شناعة ? وتضاف بشاعة إلى بشاعة ? أرأيت إن كان هذا الذي يصلي ويتعرض له من ينهاه عن صلاته . . إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ? ثم ينهاه من ينهاه . مع أنه على الهدى , آمر بالتقوى ? . أرأيت إن أضاف إلى الفعلة المستنكرة فعلة أخرى أشد نكرا ? (أرأيت إن كذب وتولى ?) .
هنا يجيء التهديد الملفوف كما جاء في نهاية المقطع الماضي: (ألم يعلم بأن الله يرى ?) يرى تكذيبه وتوليه . ويرى نهيه للعبد المؤمن إذا صلى , وهو على الهدى , آمر بالتقوى . يرى . وللرؤية ما بعدها ! (ألم يعلم بأن الله يرى !) .
وأمام مشهد الطغيان الذي يقف في وجه الدعوة وفي وجه الإيمان , وفي وجه الطاعة , يجيء التهديد الحاسم الرادع الأخير , مكشوفا في هذه المرة لا ملفوفا: كلا . لئن لم ينته لنسفعا بالناصية . ناصية كاذبة خاطئة . فليدع ناديه . سندع الزبانية .
إنه تهديد في إبانه . في اللفظ الشديد العنيف: (كلا . لئن لم ينته لنسفعا بالناصية) .
(1) - تفسير الرازي - (ج 17 / ص 114)