فهرس الكتاب
فعليك يا عبد الله، أن ترفق في دعوتك، ولا تشق على الناس، ولا تنفرهم من الدين، ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك، ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار، عليك أن تكون حليما صبورا، سلس القياد، لين الكلام، طيب الكلام؛ حتى تؤثر في قلب أخيك، وحتى تؤثر في قلب المدعو، وحتى يأنس لدعوتك ويلين لها، ويتأثر بها، ويثني عليك بها، ويشكرك عليها، أما العنف فهو منفر لا مقرب، ومفرق لا جامع.
و من الأخلاق والأوصاف التي ينبغي - بل يجب - أن يكون عليها الداعية: العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين، نعوذ بالله من ذلك.
أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) ، وقال سبحانه موبخا اليهود على أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) .
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه) ، هذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله، نعوذ بالله من ذلك.
ومن الأخلاق الفاضلة أن يدعو لهم بالهداية فيقول للمدعو: هداك الله، وفقك الله لقبول الحق، أعانك الله على قبول الحق، تدعوه وترشده وتصبر على الأذى، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل عن (دوس) : إنهم عصوا، قال: (اللهم اهد دوسا وائت بهم) ، وعليك أن تصبر وتصابر في ذلك، ولا تقنط ولا تيأس، ولا تقل إلا خيرا، لا تعنف ولا تقل كلاما سيئا ينفر من الحق، ولكن من ظلم وتعدى له شأن آخر، كما قال الله جل وعلا: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) .
و تصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى، كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان.
أسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعا لحسن الدعوة إليه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه، والثبات عليه، ويجعلنا من الهداة المهتدين، والصالحين المصلحين، إنه جل وعلا جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله و أصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
حكمة الداعي وأدب المدعو
اسم المحاضر: الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله -
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه ، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى إلى بهداه إلى يوم الدين .
أما بعد:
فإن التذكير بالله والدعوة إليه سنة المرسلين عليهم الصلاة والسلام ، فقد بعثهم الله دعاة للحق وهداة للخلق ، مبشرين ومنذرين ،لإقامة الحجة ورفع المعذرة كما قال الله تعالى: ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) . وقال جل وعلا: ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) .
وهكذا خلفاؤهم من أهل العلم و ورَّاثهم ، هذا طريقهم وسبيلهم ؛ الدعوة إلى الله تعالى ، والتذكير به والتبشير والإنذار لغيرهم .
فالله خلق الخلق لعبادته وأرسل الرسل لتبين ذلك وتدعوا إليه ، قال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، فالثقلان الجن والإنس خلقوا ليعبدوا الله ، وهذه العبادة هي حق الله على عباده المكلفين من جن وإنس ، ثم بعث الله الرسل ليبينوا هذه العبادة ويدعوا إليها ويشرحونها للناس ، وأنزل الكتب لهذا الأمر ، وكان أعظمها وأفضلها وأكملها وخاتمها القرآن العظيم ، فيه بيان الهدى وطريق السعادة ، فيه بيان ما يرضي الله وما يقرب إليه من أقوال وأعمال ومقاصد ، وبيان ما يغضب الله وما يبعد عن رحمته.
فجدير بكل مؤمن ومؤمنة التدبر لكتاب الله والإكثار من تلاوته لمعرفة ما فيه وللعمل بما دل عليه، كما قال تعالى: ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) وقال تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) .
فجدير بنا جميعا الرجال والنساء ، العلماء وغير العلماء التدبر لكتاب الله والعناية به لمعرفة الحق و اتباعه ، ولمعرفة ما يقرب إلى الله فنعمل به ، ومعرفة ما يغضب الله ويباعد من رحمته حتى نجتنبه ، وحتى نقوم بالدعوة إلى الخير وإلى كف الشر على بصيرة وعلى علم .
فالرسل - عليهم السلام - بعثوا لهذا الأمر قال تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ، وكذلك الكتب أنزلت لهذا الأمر قال تعالى: ( كتاب فصلت آياته ثم أحكمت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله ) .
وعنوان كلمتي ( حكمة الداعي وأدب المدعو ) قد اخترته لأن الحكمة من الداعية لها شأن عظيم، فمن الحكمة مثلا أن يتحرى في دعوته الكلمات المناسبة والأوقات المناسبة والأسلوب المناسب حتى يكون ذلك أقرب إلى النجاح .