وفي مجال العمل الدعوى المنظم ، يحتاج الدعاة -في كثير من البلاد إلى عمل منظم جماعي حركي ذو آلية متطورة - يتخذ فيه القرار بناء على معلومات دقيقة عن المجربات اليومية المتلاحقة فحسابات، فمعرفة بالبدائل، فدرجة مخاطرة ثم ينتج القرار الذي يكون مصيريا في كثيرمن الأحيان يحتاج فيه إلى معلومات تجمعها لجان متخصصة متابعة للأحداث، وذلك كله لا يتم على الوجه المطلوب إلا باستعمال وسائل الإدارة الحديثة ونظرياتها .
ويحتاج فيه إلى منهجية دقيقة للاتصال الداخلي وتقويم للعلم الحركي مستمر، ومناخ تنظيمي سليم وتخطيط ومتابعة وتطوير، حتى لو لم يكن كل ذلك سريا ، بل علني تسمح به الدولة.
فهذا ما يتعلق بنظام الدعوة الداخلي .
أما في المجال الخارجي عن جسمها ، فإنها - مثلا -قد تواجه نظاما جديدا تعيش فيه ، تضطر إلى سلوك أساليب معينة للمحافظة على الدعوة قد لا تناسب بيئة أخرى .
ومن ذلك أنه قد يكون ( ولي الأمر ) هذا الاسم الشرعي ، هو في الواقع عبارة عن مؤسسات مترابطة، وشبكة من الإدارات السياسية تؤثر في درجة وجودها وقوتها وبقائها عوامل خارجية سياسية، وقوة اقتصادية، وثقل عائلي أو طبقي .
وقد تكفل هذه المؤسسات بطبيعتها، أساليب مسموح بها للضغط على الحاكم، لأن الحكومة تعتبر طرفا في هذه المؤسسات لا أكثر، ونظاما لنزع الثقة من الحكومة أو من وزير من وزارئها .
ويضمن أن لا يصيب الداعيين إلى ذلك ضررما يسمى بالحصانة البرلمانية .
فكيف تتعامل الدعوة مع هذا الوضع، وهل تفهم النصوص الشرعية في ولاة الأمر بأن تضعها في غير موضعها كما في هذا المثال .
وهل تبقى الدعوة بعيدا عن التأثير في الأحداث وكسب المواقف لصالح أهدافها من خلال الظروف الجديدة التي تكتسح العالم هذه الأيام بما يسمى ( بالديمقراطية (.
أم يجوز أن تسلك هذه الوسائل، مما يحتاج من الدعاة إلى فهم ووعي لأساليب ( العمل السياسي ) في الدولة وكيفية التعامل مع كل طرف منها ، وكيف تناور لتكسب، أو تخسر شيئا لتكسب شيئين، وكيف تحافظ على التوازن بين الضوابط الشرعية والمواقف التي يضطرها إليها دخولها المعترك السياسي لتحافظ على نفسها ؟
مما يجعلها محتاجة إلى منظومة من الإدارات سريعة الحركة والحكيمة والمترابطة ونظاما للمعلومات وانسيابا في الخطوات المرحلية يتناسب مع سرعة التغيرات في الساحة ؟
وقد يحتاج إلى قدر من السرية ، لأنها في معترك سياسي تتنافس فيه الأحزاب على ضرب بعضها بعضا وتستفيد من المعلومات الداخلية لكل حزب بشكل مؤثر وخطير .
توسيع دائرة وسائل الدعوة ضرورة لتغيير واقع المسلمين في بعض البلاد:
ومما يستعمله الدعاة في بعض البلاد -هذه الأيام ويمكن بواسطته تغيير كثير من واقع المسلمين إلى الأفضل، ولوج الاتحادات الطلابية، ونقابات العمال، والمعلمين ونحو ذلك ، والمجالس النيابية أو غيرها مما يحتاج في القيام بأعبائه إلى عمل دؤوب ولجان متخصصة، وهي وسائل لم تكن على عهده صلى الله عليه وسلم، ولو تركت بهذه الحجة بناء على أن وسائل الدعوة متوقفة على نصوص خاصة لأنها توقيفية ، لأدى ذلك - في بعض البلاد -إلى استغلال أهل الفساد وأعداء الدين وأصحاب المذاهب العلمانية لها لاجتيال شعائر الدين في المجتمعات الإسلامية وما أحرصهم على ذلك .
يجوز استعمال الوسائل المحرمة أحيانا:
بل إنه يجوز على الصحيح استعمال وسائل تقترن بمحرم في الأصل إذا دخل ذلك في قاعدة (ارتكاب أخف الضررين ) وقد جاء في الشريعة ما هو أصل لذلك، وهو إباحة الكذب في الإصلاح بين الناس، لأن مفسدة فساد البين أعظم من مفسدة الكذب، ولا يعني هذا استعمال الكذب في مصلحة الدعوة، فإنه ليس من مصلحة الدعوة في شيء، بل أعظم مصلحة للدعوة إنما تكون في الصدق، والصدق يجب أن يكون شعارها، والدعاة أولى الناس بأن يكونوا أصدق الناس فإن الكذب من شعب النفاق .
وإنما المقصود إعمال هذه القاعدة الشرعية في مواضعها إذا تحققت شروطها، وأن هذا يجوز أيضا في وسائل الدعوة بحسب الضوابط الشرعية.
خلاصة البحث:
وبهذا يتبين - إن شاء الله - أن وسائل الدعوة الأصل فيها أنه يجوز استعمال المباح منها ولا يتوقف ذلك على نص خاص يدل على مشروعية استعمالها بخصوصها، وأن القول بأنها توقيفية بعيد عن قواعد الفقه وأصول الاستدلال الصحيح بأدلة الشرع والله أعلم .
فتوى للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -:
ومما قاله العلامة الفقيه محمد الصالح العثيمين رحمه الله: ( والوسائل ليس لها حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود، ما لم يكن منهيا عنه بعينه، فإن كان منهيا عنه بعينه فلا نقربه، فلو قال: أنا أريد أن أدعو شخصا بالغناء والموسيقى لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذبا له فأدعوه بالموسيقى والغناء هل نبيح له ذلك ؟ لا ، لا يجوز أبدا ، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر فهذه لا بأس بها، فالوسائل غير المقاصد وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير ) . لقاء الباب المفتوح رقم 15 ص 49 .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .
الفهرس العام
الباب الثامن - دراسات وخلاصات
183 وسيلة دعوية للمرأة المسلمة.
تعاون الدعاة وأثره في المجتمع .
لكي لا يتناثر العقد .
الدَّاعِيَةُ البَصِير أخلاقُهُ وَصفاتُهُ وَمنهجُه
حراسة الفضيلة.
أهداف الدعوة ومنطلقاتها
المرأة في موكب الدعوة .
نصائح وتوجيهات في الحج
رسائل إلى المرأة في الحج.