الصفحة 154 من 3812

وهي تمثل إحدى قواعد العلاقات الخارجية بين المعسكر المسلم وما حوله من المعسكرات الأخرى . ولم تدخل عليها إلا تكملات وتعديلات جانبية فيما بعد؛ ولكنها ظلت إحدى القواعد الأساسية في المعاملات الإسلامية الدولية .

إنها تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة؛ ما أمكن أن تصان هذه العهود من النكث بها؛ مع إعطاء هذه العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقية . فأما إذا اتخذ الفريق الآخر هذه العهود ستارًا يدبر من ورائه الخيانة والغدر؛ ويستعد للمبادأة والشر؛ فإن للقيادة المسلمة أن تنبذ هذه العهود ، وتعلن الفريق الآخر بهذا النبذ؛ وتصبح مطلقة اليد في اختيار وقت الضربة التالية للخائنين الغادرين . . على أن تكون هذه الضربة من العنف والشدة بحيث ترهب كل من تحدثه نفسه بالتعرض للمجتمع المسلم سرًا أو جهرًا! . . فأما الذين يسالمون المعسكر الإسلامي؛ ويريدون عدم التعرض للدعوة الإسلامية ، أو الحيلولة دون وصولها إلى كل سمع؛ فإن للقيادة المسلمة أن توادعهم ما دام ظاهرهم يدل على أنهم يجنحون إلى السلم ويريدونها .

وهذه - كما هو ظاهر - مواجهة عملية واقعية لحالات عملية واقعية في العلاقات بين المعسكرات المتجاورة؛ لا ترفض الموادعة - متى تحقق للدعوة الإسلامية الأمان الحقيقي وزوال العقبات المادية من طريقها وهي تتحرك لتبلغ الأسماع والقلوب - وفي الوقت ذاته لا تسمح أن تكون عهود الموادعة ستارًا للأعداء ، وترسًا يتترسون به لضرب المجتمع المسلم غيلة وغدرًا .

أما الحالة الواقعة التي كانت هذه النصوص تواجهها في مجتمع المدينة يومذاك ، فقد نشأت من الظروف التي واجهتها القيادة المسلمة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة ، والتي يلخصها الإمام ابن القيم في زاد المعاد بقوله: « ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه - وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم - وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة . وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه . بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه . . ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن . ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم . ومنهم من دخل معه في الظاهر ، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين ، وهؤلاء هم المنافقون فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى » . .

وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة؛ وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة . كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة .

وظاهر أن هذه الأوضاع لم تكن إلا أوضاعًا موقتة ، تواجه أحوالًا واقعة؛ ولم تكن أحكامًا نهائية في العلاقات الدولية الإسلامية؛ وأنها عدلت فيما بعد تعديلات متوالية ، حتى استقرت في الأحكام التي نزلت في سورة براءة .

وهذه المراحل التي مرت بها هذه العلاقات سبق في الجزء التاسع أن نقلنا لها تلخيصًا جيدًا للإمام ابن القيم في زاد المعاد . ولا نرى بأسًا من إعادة هذا التلخيص هنا لضرورته:

« فصل في ترتيب سياق هديه ( صلى الله عليه وسلم ) مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل . . أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق . وذلك أول نبوته . فأمره أن يقرأ في نفسه ، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ . ثم أنزل عليه: { يا أيها المدثر . قم فأنذر } فنبأه بقوله: { اقرأ } وأرسله ب { يا أيها المدثر } . ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين . ثم أنذر قومه . ثم أنذر من حولهم من العرب . ثم أنذر العرب قاطبة . ثم أنذر العالمين . فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية؛ ويؤمر بالكف والصبر والصفح . ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال . ثم أمره أن يقاتل من قاتله ، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله . ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله . . ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة ، وأهل حرب ، وأهل ذمة . . فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفي لهم؛ به ما استقاموا على العهد ، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد ، وأمر أن يقاتل من نقض عهده . . ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها: فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام . وأمره بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم . فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجة واللسان . وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم . . وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسمًا أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له ، فحاربهم وظهر عليهم . وقسمًا لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم . وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق ، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر . فإذا انسلخت قاتلهم . فقتل الناقض لعهده؛ وأجل من لا عهد له ، أو له عهد مطلق ، أربعة أشهر . وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته ، فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم . وضرب على أهل الذمة الجزية . . إلخ » . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت