فهرس الكتاب
ومن مراجعة هذا التلخيص الجيد ، ومراجعة أحداث السيرة ، وتاريخ نزول السورة والآيات التي تتضمن هذه الأحكام ، يتبين لنا أن آيات سورة الأنفال التي نحن بصددها هنا ، تمثل مرحلة وسيطة بين ما كان عليه الحال أول العهد بالمدينة ، وما انتهى إليه الحال بعد نزول سورة براءة .
ويجب أن تدرس هذه النصوص في ضوء هذه الاعتبارات . . ومع أنها تقرر بعض القواعد الأساسية ، إلا أنها لا تمثلها في صورتها النهائية . فالصورة النهائية تمثلها نصوص سورة براءة ، والتطبيقات العملية لها في أواخر حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي . .
وفي ضوء هذا البيان نستطيع أن نواجه هذه النصوص القرآنية:
{ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون . الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون } . .
ولفظ { الدواب } وإن كان يشمل كل ما دب على الأرض ، فيشمل الأناسي فيما يشمل ، إلا أنه - كما أسلفنا - يلقي ظلًا خاصًا حين يطلق على الآدميين . . ظل البهيمة . . ثم يصبح هؤلاء الآدميون شر البهيمة التي تدب على الأرض! وهؤلاء هم الذين كفروا حتى بلغ بهم الكفر ألا يصير حالهم إلى الإيمان! وهم الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ولا يتقون الله في مرة!
وقد وردت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص . . قيل: إنهم بنو قريظة ، وقيل: إنهم بنو النضير وقيل: إنهم بنو قينقاع . وقيل: إنهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين . . والنص والواقع التاريخي كلاهما يحتمل أن يكونوا هؤلاء جميعًا . فلقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طائفة طائفة ، كما أنه قد تكرر نقض المشركين لعهودهم أيضًا . . والمهم أن نعلم أن هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها ، إلى حين نزول هذه الآيات . ولكن الحكم الصادر فيها ، المصور لطبيعة الناقضين للعهد يصور حالة دائمة ، ويقرر صفة ثابتة . .
فهؤلاء الذين كفروا ولجُّوا في الكفر { فهم لا يؤمنون } . . ففسدت بذلك فطرتهم ، وباتوا بذلك شر الدواب عند الله . هؤلاء الذين ينقضون كل عهد أبرموه ، فتجردوا بذلك من خصيصة إنسانية أخرى - خصيصة التقيد بالعهد - وانطلقوا من كل قيد ، كما تنطلق البهيمة ، لولا أن البهيمة مقيدة بضوابط فطرتها ، وهؤلاء لا ضابط لهم . فهم بذلك شر الدواب عند الله!
هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم . . جزاؤهم هو حرمانهم الأمن كما حرموا غيرهم الأمن؛ وجزاؤهم هو تخويفهم وتشريدهم ، والضرب على أيديهم بشدة لا ترهبهم وحدهم ، إنما ترهب من يتسامع بهم ممن وراءهم من أمثالهم ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده من المسلمين مأمورون - إذا التقوا بأمثال هؤلاء في القتال - أن يصنعوا بهم ذلك الصنيع:
{ فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } . .
وإنه لتعبير عجيب ، يرسم صورة للأخذ المفزع ، والهول المرعب ، الذي يكفي السماع به للهرب والشرود . فما بال من يحل به هذا العذاب الرعيب؟ إنها الضربة المروّعة يأمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ بها هؤلاء الذين مردوا على نقض العهد ، وانطلقوا من ضوابط الإنسان ، ليؤمن المعسكر الإسلامي أولًا ، وليدمر هيبة الخارجين عليه أخيرًا؛ وليمنع كائنًا من كان أن يجرؤ على التفكير في الوقوف في وجه المد الإسلامي من قريب أو من بعيد . .
إنها طبيعة هذا المنهج التي يجب أن تستقر صورتها في قلوب العصبة المسلمة . إن هذا الدين لا بد له من هيبة ، ولا بد له من قوة ، ولا بد له من سطوة ، ولا بد له من الرعب الذي يزلزل الطواغيت حتى لا تقف للمد الإسلامي ، وهو ينطلق لتحرير « الإنسان » في « الأرض » من كل طاغوت . والذين يتصورون أن منهج هذا الدين هو مجرد الدعوة والتبليغ ، في وجه العقبات المادية من قوى الطاغوت ، هم ناس لا يعرفون شيئًا عن طبيعة هذا الدين!
وهذا هو الحكم الأول يتعلق بحالة نقض العهد فعلًا مع المعسكر الإسلامي؛ وما ينبغي أن يتبع في ضرب الناقضين للعهد وإرهابهم وإرهاب من وراءهم بالضربة القاصمة المروعة الهائلة . (1)
جواز قتال الكفار بعد انسلاخ الأشهر الحرم
قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) ( التوبة) }
يقول تعالى { فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ } أي: التي حرم فيها قتال المشركين المعاهدين، وهي أشهر التسيير الأربعة، وتمام المدة لمن له مدة أكثر منها، فقد برئت منهم الذمة.
{ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } في أي مكان وزمان، { وَخُذُوهُمْ } أسرى { وَاحْصُرُوهُمْ } أي: ضيقوا عليهم، فلا تدعوهم يتوسعون في بلاد اللّه وأرضه، التي جعلها [الله] معبدا لعباده.
فهؤلاء ليسوا أهلا لسكناها، ولا يستحقون منها شبرا، لأن الأرض أرض اللّه، وهم أعداؤه المنابذون له ولرسله، المحاربون الذين يريدون أن يخلو الأرض من دينه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
{ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } أي: كل ثنية وموضع يمرون عليه، ورابطوا في جهادهم وابذلوا غاية مجهودكم في ذلك، ولا تزالوا على هذا الأمر حتى يتوبوا من شركهم.
(1) - في ظلال القرآن - (ج 3 / ص 426)