الصفحة 1688 من 3812

-وأمَّا القدوة، فقد أفاض في الحديث عنها الأستاذ الكريم، ولكنِّي أودُّ أن أركِّز لأخي السائل على نقطةٍ هامَّةٍ في موضوع القدوة، قد تتوه في غمار العمل الدعويّ، ألا وهي أنَّ القدوة في مجتمع الموظَّفين ليست فقط في الالتزام الدينيِّ والخُلقُيّ، وإنَّما يجب أن تكون أيضًا في الالتزام الوظيفيِّ وحسن أداء المهامِّ المطلوبة منك كموظَّف، فالموظَّف المهمل في عمله، غير المنضبط في مواعيده، المقصِّر في أداء مهامَّه، الذي يضيع أوقاتًا كثيرةً ويعطِّل مصالح الناس بحجَّة الصلاة، هذا الموظَّف قد أغلق الطرق والسبل التي تصله بزملائه ورؤسائه، وتفتح له آفاق دعوتهم، بل إنَّه قد يكون -والعياذ بالله- وسيلةً للصدِّ عن سبيل الله بسلوكه هذا، حيث يعتقد مَن ليس عندهم علم، والذين لا يزالون يَحْبُون على طريق الالتزام، يعتقدون أنَّ التزامه الدينيَّ هو السبب وراء تقصيره، ويتكرَّس عندهم أنَّ الالتزام الدينيَّ مرادفٌ للإهمال الوظيفيّ، بينما قد يجدون من الآخرين الذين ليسوا على الجادَّة، بل وربَّما يكونون من ملَّةٍ أخرى غير الإسلام، يجدونهم مثالًا للانضباط والأداء الوظيفيِّ المتميِّز.

-وأمَّا عن التدرُّج والمرحليَّة وعدم الاستعجال، فقد ألمح إليهما الأستاذ الفاضل في حديثه عن استخدام الوسائل بعيدة المدى، والبرامج المدروسة والمخطَّطة مسبقا، وذلك ليس بالشيء اليسير، فكم من أُناسٍ اندفعوا وراء حماسهم غير المنضبط، واستعجلوا قطف الثمار قبل أوانها، فأثاروا العديد من المشكلات، بل والفتن، ولم تجنِ الدعوة من ورائهم إلا التأخُّر والانحدار، وفتحت الباب لأعدائها ليشوِّهوا ويُجَرِّحوا.

وقد تذكَّرت وأنا أقرأ كلام الأستاذ محمود قصَّةً طريفةً لأحد الدعاة رواها لي أخٌ فاضل، ملخَّصها أنَّ هذا الداعية التحق بوظيفةٍ في شركةٍ كبيرة، ومنذ أن وطئت أقدامه هذه الشركة لاحظ أنَّ الصلاة لا تمثِّل أهمِّيَّةً لدى العاملين، وأنَّ وقت الصلاة يمرُّ دون أن يعبأ به أحد، أو يهتمَّ برفع أذان، أو إقامة صلاة، ولم يكن هناك حتى مكانٌ مخصَّصٌ للصلاة، فماذا يفعل؟ أحضر معه سجَّادةً صغيرة، وكان كلَّما حان وقت الصلاة قام وتوضَّأ وفرش سجَّادته في فرجةٍ صغيرةٍ بجوار مكتبه وصلَّى، دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة، ومكث على هذه الحال أيَّاما، إلى أن قذف الله عزَّ وجلَّ الهداية في قلب أحد زملائه، فقام يصلِّي معه في نفس المكان، ويومًا بعد يوم، بدأ الآخرون من حولهما يحسُّون بالحرج كلَّما قاما للصلاة، فبدءوا هم مع الداعية الكلامَ بالتعلُّل وإبداء المعاذير لعدم الصلاة، دون أن يعلِّق هو إلا بابتسامةٍ خفيفة، أو ببضع كلماتٍ تحمل دعاءً بالتيسير، ثم انضمَّ إليهما شخصٌ ثالثٌ ورابعٌ وخامسٌ على التوالي، إلى أن ضاق المكان بهم، فسعى جمعٌ منهم لتخصيص حجرةٍ واسعةٍ بالمبنى لإقامة الصلاة، وصار الأذان يتردَّد بين جنبات الشركة فحدا بالكثير من الموظفين إلى الالتزام بأداء الصلاة، ثمَّ شعر برغبة بعض الموظَّفات في أداء الصلاة معهم، ولكنَّ حاجز المكان يمنعهم، فقام هو وزملاؤه بالسعي لتخصيص مكانٍ لصلاة النساء، وتمَّ ذلك بالفعل، وأصبحن يذهبن إلى هذا المكان ليؤدِّين الصلاة، إلا أنَّه لاحظ أنَّ الموظَّفات غير المتحجِّبات يتحجَّجن بزيِّهنَّ في عدم الصلاة، ويقلن أنَّهنَّ يصلِّين في البيت، فقام هذا الأخ الفاضل بشراء بعض الخِمارات والأغطية، وعلَّقها في مكان صلاة النساء، وأعلن عن وجود هذه الأشياء لمن ترغب في الصلاة منهنّ، فأخذ العدد في الازدياد، ولمَّا كان غالبيَّة موظَّفي هذه الشركة يعملون على أجهزة الكمبيوتر، لاحظ هذا الأخ أن هناك أوقاتًا يستغرقها الكمبيوتر في تحميل برامج معيَّنةٍ و أداء عمليَّاتٍ معيَّنة، وأنَّ هذه الأوقات يقضيها الموظَّفون والموظَّفات في الكلام واللهو الفارغ، والخارج أحيانا، فقام بشراء عددٍ من الهدايا المناسبة ذات الشكل الجميل، ووزَّعها كهدايا على زملائه، ومعها ورقةٌ صغيرةٌ بها بعض الأذكار، وفضل هذه الأذكار، ليشغلوا بها هذه الأوقات، وقد كان.

الشاهد من هذه القصَّة أنَّ هذا الأخ الداعية تدرَّج مع من حوله، فبدأ بنفسه أوَّلا، ثم بدأ يخطو خطواتٍ حثيثةً محسوبةً ومدروسةً ليصل إلى أهدافه دون افتعال أزماتٍ وإثارة مشكلاتٍ تُؤَخِّر ولا تُقَدِّم، وهذا ما نبغيه.

خطبة الجمعة والموقف السياسي .. منهج الإسقاط

بسم الله الرحمن الرحيم، ما المنهجية العلمية التي يمكن اعتمادها في إسقاط الموقف السياسي من خلال منبر الجمعة؟

و هل توجد مراجع تعالج هذا الموضوع؟

نرجو منكم إفادتنا بهذه القضية التي تعتبر بنظري من القضايا الهامة التي تهم الدعاة والعلماء الذين يتصدون للشأن العام للمسلمين.

وجزاكم الله عنا كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. …السؤال

وسائل مسموعة, الدعوة العامة …الموضوع

الدكتور محمد محمود منصور, الأستاذ فتحي عبد الستار…المستشار

……الحل …

…الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:

فنشكركم على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه.

أخي الكريم عمر، أمر طيب له ثوابه العظيم أن تضع خطة لما يمكن توصيله للناس في الأمور السياسية من خلال خطب الجمعة، فلقد علمنا الإسلام التخطيط في كل شيء، أخذًا بالأسباب لنجاح العمل.

لكن قبل البدء في الحديث عن المنهج الذي من الممكن أن يُتَّبَع، عليك بالانتباه للآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت