الصفحة 1687 من 3812

-من المهمِّ للغاية كذلك استبعاد الدعوة المركَّزة والمطوَّلة، فلا يعقل استخدام الدعوة بشكلٍ مركَّزٍ ومطوَّلٍ وبشكلٍ يوميّ، فهذا من شأنه أن يضفي نوعًا من الملل والضجر على من توجِّه لهم دعوتك، فلو استطعت أن تحقِّق كلَّ يومٍ معنى أو هدفًا دعويّا، أو قيمةً واحدةً توصِّلها إلى الزملاء فيكفيك هذا؛ لأنَّ طبيعة المجتمع الوظيفيِّ مستقرَّةٌ وغير متغيِّرةٍ إلى حدٍّ كبير، والذي لا تستطيع أن تقوله اليوم يمكن أن تقوله غدًا ولنفس الأشخاص، وبالتالي فلا داعي أبدًا للتطويل اليومي على الزملاء، وقد كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه تتميَّز بعدم التطويل عليهم، وكانوا هم ينحون منحى الرسول صلى الله عليه وسلم.

فعن شقيقٍ قال: كان عبد اللَّه يذكِّرنا كلَّ يوم خميسٍ، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرَّحمن، إنَّا نُحِبُّ حديثك ونشتَهِيه، ولوددنا أَنَّك حدَّثتنا كلَّ يومٍ، فقال:"ما يمنعني أن أحَدِّثكم إلا كراهية أن أُمِلَّكم، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخَوَّلُنا بالموعظة في الأيَّام، كراهية السَّآمة علينا"رواه مسلم، ونقل ابن الأثير عن أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه قال ليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهما حين أمَّره على جيشٍ إلى الشام:"وإذا وعظتهم فأوجِز فإنَّ كثير الكلام يُنسي بعضه بعضا".

-يجب أن يكون الداعية شاهدًا على كلِّ المواقف التي تحدث لزملائه، وأعني بذلك أن يشعر باهتماماتهم ونبضهم وأحداثهم، فيشاركهم ويواسيهم في مواقفهم المحزنة، ولا ينسى مشاركتهم كذلك في أفراحهم ومسرَّاتهم في حدود ما شَرَع الدين وبيَّن، ووسيلة الموقف هذه من أجدى الوسائل الدعويَّة، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحرص ويحثُّ أصحابه على هذه الوسيلة، بل ويجعلها أساسًا للتنافس الرائع فيما بينهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"من أَصبح منكم اليوم صائما؟"قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، قال:"فمن تبِع مِنكم اليوم جنازة؟"قال أَبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، قال:"فمن أَطعم منكم اليوم مِسكينا؟"قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، قال:"فمَن عاد مِنكم اليوم مريضا؟"قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما اجتمَعن في امْرئٍ إِلا دخل الجنَّة"رواه مسلم.

-ذكرنا ونؤكِّد أنَّ المجتمع الوظيفيَّ وإن كان يجمعه طبيعة عملٍ متقاربة، إلا أنَّه مجتمعٌ متباين الأفكار والعقول، بخلاف المجتمع الطلابيّ، لذلك حريٌّ بالداعية ألا يتعامل مع كلِّ الموظفين بوسيلةٍ واحدةٍ وبمدخلٍ واحد، لكن لابدَّ أن تكون الوسيلة تتناسب مع عقليَّة وأفكار كلِّ واحدٍ على حدة، فدعوتك للرؤساء تختلف عن دعوتك للمرءوسين، ودعوتك للمثقَّفين غير دعوتك لأنصاف المثقَّفين، أو غير المثقَّفين، فعن عليٍّ رضي الله عنه قال:"حدِّثوا الناسَ بما يَعرِفون، أَتُحِبُّون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟!"رواه البخاري.

وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال:"ما أنت بِمُحَدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"رواه مسلم في مقدِّمة صحيحه.

هذه بعض الوسائل، وبالطبع ليست كلُّ وسائل الدعوة في مجتمع الموظَّفين، والوسيلة المناسبة تتوقَّف على حسب ظروف وأحوال وثقافة من تخاطبهم، كما أنَّ استخدام وسيلةٍ واحدة -أو أكثر- يتوقَّف على نوعيَّة مَن تخاطب.

أخي الكريم،

إنَّ سؤالك الرائع قد وضعنا أمام مجموعةٍ من الألوان الرائعة في الدعوة، أعني بها الوسائل، فكما أنَّ لكل لونٍ معانيه وأسراره وشكله المختلف فإنَّ وسائل الدعوة كذلك تخضع لهذه القاعدة، فما دام لكلِّ إنسانٍ عقل، فلكلِّ إنسانٍ مدخل، وما دام أنَّه يستحيل أن تصبح كلُّ العقول واحدة، فلا يمكن أن تكون هناك وسيلةٌ واحدةٌ لكلِّ الناس، وفَّقك الله أينما كنت، ولا تنسنا في دعائك.

ويضيف الأستاذ فتحي عبد الستار:

"بعد كلام أستاذنا الفاضل محمود إسماعيل، والذي أفاض علينا فيه بالوسائل المتميِّزة والمؤثِّرة في مجال دعوة الموظَّفين، أجدني راغبًا في التأكيد على ثلاثة مفاهيم أشار إليها أستاذنا الكريم، وهي: إخلاص النيَّة لله عزَّ وجلّ، والقدوة، والتدرُّج والمرحليَّة وعدم الاستعجال."

-أمَّا الإخلاص فهو - كما نعلم - شرط قبول الأعمال عند الله عزَّ وجلّ، وهو أيضًا أساس التوفيق والنجاح في أي عمل، فما كان لله دام واتَّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فلتحرص دائمًا على تنقية نيَّتك من أيَّة شائبةٍ في هذا العمل، فلا يكن قصدك من العمل الدعويِّ في محلِّ وظيفتك اكتساب مكانةٍ معيَّنةٍ عند الرؤساء والزملاء، أو رسم صورةٍ معيَّنةٍ لشخصيِّتك تستجدي من خلالها الاحترام والتوقير، وإنَّما القصد الأوحد ينبغي أن يكون نشر دعوة الحقِّ والخير بين الناس، والأخذ بأيديهم للصراط المستقيم، صراط العزيز الحميد، دون النظر إلى أي مغنمٍ دنيويٍّ، مع تحمُّل المشاقِّ في سبيل ذلك، واضعًا نصب عينيك قول الحبيب صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه:"فوالله، لأن يهدي الله بِك رجلًا واحدًا خَيرٌ لك من حُمُرِ النَّعَمِ"رواه البخاري، وحُمُر النَّعَم: الإبل الحمراء، وقد كانت أنفس أموال العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت