فهرس الكتاب
وإن كان الباب الوحيد لوصول نور الهداية لقلبيهما هو حديث الجدَّة من وراء أستار الغيب، فقد علَّمنا رسول الله أنَّ في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب، ولك أسوةٌ فيما قام به الحسن والحسين رضي الله عنهما وهما صغيران من افتعال خلافٍ حول صحَّة الوضوء ليعلِّما شيخًا كبيرًا، فيمكنك أن تتحدَّثي عن أماني أمِّهما لهما بالخير وبحبِّها أن يلحقا بها في مستقرِّ رحمة الله، وهذا إنَّما يتحقَّق بالتزام شرع الله، وأنَّّها لو كانت بينهم لأمرتهم به ليكمل باطن الإيمان بظاهره.
وبمثل هذا مع الوسائل الأخرى نرجو أن يتحقَّق على يديك كلَّ الخير.
وفقك الله، وطمئنينا على أخبارك، ومرحبًا بك وبرسائلك دائمًا.
من الطلاب إلى الموظفين.. الطريق موصول
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
كان عملي الدعويُّ في البداية في الوسط الطلابيّ، والآن أعمل في وسط الموظَّفين، فما الفرق بينهما؟
وما الوسائل التي يمكن من خلالها الداعية أن يكون ناجحًا في هذا الوسط؟
وجزاكم الله خيرا.
…السؤال
المجتمع, فنون ومهارات, وسائل اجتماعية …الموضوع
الأستاذ محمود إسماعيل, الأستاذ فتحي عبد الستار…المستشار
……الحل …
…أخي الفاضل الكريم،
أحمد الله الذي جعل من هذه الأمَّة أمثالك ممَّن يحملون دعوة الله إلى كلِّ النَّاس أينما كانوا، والجميل في سؤالك أنَّه يؤكِّد على مبدأٍ غاية في الأهمية، وهو أنَّ الوسيلة الدعويَّة لابدَّ وأن تتغيَّر تبعًا لأحوال النَّاس وطبيعتهم واختلاف عقولهم، والأجمل في سؤالك أنَّك تؤمن بمجموعةٍ من المبادئ والمفاهيم الدعويَّة التي لا غنى عنها، وبالتالي سنبدأ معك من حيث انتهيت ومن حيث اتفقنا.
أخي الكريم،
تعلم أنَّ المجتمع الطلابيَّ يختلف عن مجتمع الموظَّفين، وأنَّ لكلٍ منهما وسيلته المناسبة، وتريد معرفة الاختلافات بينهما، والوسائل الدعويَّة المناسبة لمجتمع الموظَّفين، فأقول لك:
من المهمِّ جدًّا أن تدرس وتفهم طبيعة مجتمع الموظَّفين قبل أن تفكِّر في الوسيلة المناسبة، وأعني أنَّ من الخطأ أن نبدأ بوسيلةٍ ما دون تفهُّمٍ لطبيعة وعقليَّة من ندعوهم، لذلك لابدَّ لنا معك من دراسة خصائص مجتمع الموظَّفين، كي يتسنَّى لنا وضع الوسيلة المناسبة له.
ويمكن أن نجمل خصائص مجتمع الموظَّفين في الآتي:
1.مجتمع الموظَّفين من المجتمعات الدائمة أو شبه الدائمة، بمعنى أنَّه يختلف تمامًا عن المجتمع الطلابيِّ الذي يتغيَّر بشكلٍ دوريٍّ عقب تخطِّي مرحلةٍ تعليميَّةٍ معيَّنةٍ أو بعد التخرُّج.
2.مجتمع الموظفين مجتمعٌ متباينٌ بصورةٍ أكثر بكثيرٍ من المجتمع الطلابيّ، إذ تختلف فيه الثقافات والأفكار والأعمار.
3.الوضع الاجتماعي للموظَّفين يختلف عن المجتمع الطلابيّ، فبينما نرى المجتمع الأوَّل ينتمي إلى حدٍّ كبيرٍ للمجتمع الأسريّ، آباء وأمَّهات، نرى طبيعة المجتمع الطلابيِّ هي البنوَّة، بكلِّ ما يحمل ذلك من تبعاتٍ ومسؤوليَّاتٍ مختلفة النوع والحجم على كلِّ طرف.
4.يُفترَض في المجتمع الوظيفيِّ أن يكون أفراده على درجةٍ من الوعي والنضوج وتحديد الاتِّجاه، بصورةٍ أكبر وأشمل عن المجتمع الطلابيّ.
5.أنماط النَّاس في المجتمع الوظيفيِّ مدروسةٌ ومفهومةٌ بصورةٍ أكثر من المجتمع الطلابيّ، وبالتالي يمكن للموظَّف أن يعرف عن زميله أشياء كثيرة، وهذا مرجعه لعدَّة أسباب، منها طول الفترة التي يقضيها الموظَّفون مع بعضهم بعضا، واستقلال مجتمع الموظَّفين، مقارنةً بمجتمع الطلاب الذي يتميَّز بأنَّه مجتمعٌ تابعٌ إلى حدٍّ كبير، وبسبب دائرة الاهتمام المشتركة بين الموظَّفين (طبيعة العمل - الاهتمام بقضايا مشتركة) أيضا.
وعلى ضوء ما سبق من تحليلٍ لطبيعة المجتمع الوظيفيّ، يمكن لنا بعد ذلك أن نجمل الوسائل المناسبة لهذا المجتمع:
-أوَّل هذه الوسائل وسيلة القدوة، وهي من أبلغ وأدقِّ الوسائل قاطبةً في مجتمع الموظَّفين وفي غيرها من الأوساط المتباينة، وتتأكَّد في مجتمع الموظَّفين نظرًا لطول فترة اجتماع الموظَّفين في مكان العمل، ولا تزال وسيلة القدوة هي الفارس الذي لا يُهزَم، بل تُعَدُّ من الوسائل الثوابت التي لم ولن يعفو عليها الزمن، فهي الكلمة الصامتة الرائعة دون أن يتحرَّك اللسان، وهي الكلمة الصائبة التي تصل إلى كلِّ أسماع من حولك، وتقتحم قلوبهم دون حائلٍ أو بنيان، وهي الكلمة الرائعة في الوقت المناسب والمكان المناسب بلا منازع.
وإذا كان الموظف قدوةً بين زملائه: قدوةً في عمله، وقدوةً في أخلاقه وتصرُّفاته وسلوكيَّاته، وقدوةً مع النَّاس الذين يتعامل معهم، صار بذلك دعوةً متحرِّكةً لا تهدأ ولا تنضب، وصارت كلمته مسموعةً دون أن يتكلَّم، ودخلت كلمته القلوب دون عناءٍ يُذكَر، أمَّا لو ترك الموظَّف الداعية أو أيُّ داعيةٍ في أيِّ مكانٍ وسيلة القدوة فلن ينجح في دعوته مهما اتَّخذ من وسائلٍ دعويةٍ أخرى.
والمتأمِّل في الحقل الدعويِّ يرى أنَّ كمًّا رهيبًا من الجهد والمشقَّة واستحداث الوسائل الدعويَّة يضيع ويتفتَّت لأنَّ كلَّ هذا لم ينبنِ على الوسيلة الأمّ، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة.
-ما دام أنَّ المجتمع الوظيفيَّ دائمٌ أو شبه دائم، فيُفضَّل استخدام الوسائل بعيدة المدى، وأعني بها البرامج المدروسة والمخطَّطة مسبقًا ولا داعي للاستعجال في الدعوة.