فهرس الكتاب
هذا ما يمكننا أن نخرج به من دروسٍ تدلُّنا الطريق، ولكن يظلُّ الجهاد فريضةً ما وُجِدت مبرِّراته، ويظلُّ فريضةً على أولي الأمر دفاعًا عن الإسلام وأهله ودياره.
هذا حكمٌ فقهيٌّ ثابتٌ لا يحلُّ لأحدٍ أن يتجاوزه أو يلتفَّ حوله بأيِّ دعوى من الدعاوى، وهذا مجرَّد مثال، ولك أن تقيس عليه غيره.
أمَّا الدعوة فإنَّها في طريقها عليها أن تسلك كافَّة السبل التي تراها مناسبةً لهداية الناس إلى طريقه سبحانه، مع مراعاة الضوابط التالية:
أوَّلا: ثوابت الإسلام وقيمه وأحكامه، فلا تخرج في طريقها عن الكتاب وصحيح السنَّة وإجماع الفقهاء بداعي مصلحة المسلمين أو مواكبة العصر، فإنَّ التحلُّل من قِيَم الإسلام وثوابته يُفقِد الدعوة أخصَّ خصائصها، وهي أنَّها قائمةٌ أصلًا على الإسلام، وهدفها هداية الناس إليه.
ثانيا: مراعاة السنن"المجتمعيَّة"، فلا تخرج عليها ولا تصطدم بها، ولكن تستخدمها وتذلِّلها للوصول إلى ما تريد، لأنَّ الاصطدام بالسنن ونواميس الكون لن يغيِّر السنَّة، ولكن سيؤدِّي حتمًا لفشل ذلك الذي لم يحسن فهمها والتعامل معها، وهذا يستلزم فهم واقع المجتمعات التي نعمل بها وننشر من خلالها فهمًا صحيحًا دقيقا، لأنَّنا لا يمكننا تغيير واقعٍ نحن به من الجاهلين.
ثالثا: التخطيط الصحيح للطريق الذي تسير فيه، وتحديد الهدف بوضوح، ورسم سبيل الوصول بدقَّة، ومعرفة خطواته ومراحله، والاستفادة -أكثر ما يمكن- من التجارب السابقة، سواءً كانت تجارب إسلاميَّةً أو غيرها، فالسعيد من اتَّعظ بغيره، فكيف لا يتَّعظ بنفسه؟
فلا ينبغي للمؤمن أن يُلدَغ من جحرٍ واحدٍ مرَّتين، فكيف لتجارب كاملةٍ أن تكرِّر أخطاءها مرارا؟!
رابعا: التسلُّح ما أمكن بأقصى ما وصل إليه العقل البشريُّ من علم، سيَّما في العلوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة، لأَّنه لا يصحُّ بحالٍ أن نواجه العصر بآليَّات عنيفةٍ متخلِّفة، خاصَّةً ونحن نواجه عدوًّا شرسًا قويّا، لا يفتر لحظةً عن العمل والتقدُّم والتخطيط والارتقاء في هذه العلوم وغيرها، ومواجهة هذا العدو بمعطيات علم اجتماع القرون الوسطى شبيهٌ بمواجهة الطائرات بالسيوف، وهذه بالطبع مواجهةٌ محسومةٌ سلفًا مهما صحَّت النيَّات.
ومن أهمِّ ما ينبغي الالتزام به في هذا الإطار:"الشورى"، لأنَّه -فضلًا عن كونها قيمةً إسلاميَّةً وقرآنيَّةً واضحة- فإنَّ عدوَّنا يلتزمها، ويواجه بها، والجهد الفرديُّ كائنًا ما كان لا يمكن أن يواجه الجهد الجماعيّ، ولا أحسب أنَّ البطولة التاريخيَّة مهما بلغت بقادرةٍ وحدها على أن تُحدِث تغييرها ما لم تجد مناخًا سواءً ووسطا، يستخرج أفضل ما عندها.
هذه بعض ضوابط على الدعوة أن تراعيها في طريقها، وأحسب أنَّنا ينبغي أن نتحرَّر من هذه المشكلات التي صنعناها بأنفسنا، كمشكلة"المكِّيِّ والمدنيّ"التي تفضَّلتم بإثارتها.
مع خالص دعائنا لكم بالتوفيق في طريق دعوتكم إلى الله، وعلى أمل استمرار تواصلكم معنا، ولكم جزيل الشكر.
خطبة الجمعة والموقف السياسي .. منهج الإسقاط
بسم الله الرحمن الرحيم، ما المنهجية العلمية التي يمكن اعتمادها في إسقاط الموقف السياسي من خلال منبر الجمعة؟
و هل توجد مراجع تعالج هذا الموضوع؟
نرجو منكم إفادتنا بهذه القضية التي تعتبر بنظري من القضايا الهامة التي تهم الدعاة والعلماء الذين يتصدون للشأن العام للمسلمين.
وجزاكم الله عنا كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. …السؤال
وسائل مسموعة, الدعوة العامة …الموضوع
الدكتور محمد محمود منصور, الأستاذ فتحي عبد الستار…المستشار
……الحل …
…الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فنشكركم على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه.
أخي الكريم عمر، أمر طيب له ثوابه العظيم أن تضع خطة لما يمكن توصيله للناس في الأمور السياسية من خلال خطب الجمعة، فلقد علمنا الإسلام التخطيط في كل شيء، أخذًا بالأسباب لنجاح العمل.
لكن قبل البدء في الحديث عن المنهج الذي من الممكن أن يُتَّبَع، عليك بالانتباه للآتي:
(1) أن الجمعة يحضرها عامة الناس على اختلاف عقولهم وظروفهم وبيئاتهم، كما أن وقتها محدود، فلا بد أن يكون الخطاب فيها بسيطًا واضحًا مختصرًا مفيدًا، لا مُعَقَّدًا غامضًا مطولًا مشتتًا.
(2) أن السياسة في الإسلام لا تعني فقط الحديث عن تصرفات المسئولين والحكام ومواقفهم، وإنما معناها أشمل من ذلك، إنها تعني أن تسوس الناس وتدير كل شئون حياتهم بنظام الإسلام، لتأخذ بأيديهم إلى حسن إعمار الدنيا، كما طلب منهم ذلك ربهم، فيسعدون فيها ثم يسعدون بالثواب العظيم الذي ينتظرهم في الآخرة.
وبناء على هذا الفهم الأوسع للسياسة:
فإن تفهيم الناس نظم الإسلام الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والعلمية والتجارية والصحية والرياضية والفنية وغيرها، هو من السياسة؛ لأنه لا يمكن إدارة أفراد وسياستهم بنظام لا يفهمونه أو لا يحبونه، وإلا انقلبوا عليه يومًا ما، فيتعسون في الدنيا ثم في الآخرة.
وتربيتهم على التمسك بأخلاق الإسلام - كالصدق والأمانة والعدل والتعاون وغيرها - من السياسة؛ لأنه لا يمكن إحسان إدارة أفراد بينهم غش وخداع وأنانية وحقد وظلم وغيره، إنهم بهذه الصفات ستصعب أو ستستحيل قيادتهم.
وحثهم على التخصص في مجالات الحياة المختلفة، وتدربيهم على كيفية إدارة مؤسساتها بأسلوب الإسلام، أيضًا من السياسة؛ لأن كل مسئول في موقعه ما هو إلا جزء من نظام الحكم.