فهرس الكتاب
وإرشادهم لأساليب الفساد ليجتنبوها هو جزء هام من السياسة، من أجل حفظ حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم، الأمر الذي سيؤدي إلى دولة إسلامية آمنة مستقرة، وهكذا.
فعليك أخي الكريم عند وضع منهجك أن تراعي اشتماله على جوانبه الفهم والأخلاق والتربية والإدارة ومحاربة الفساد وما شابه ذلك، فإن هذا سيمهد لك الطريق تمهيدًا جيدًا عند حديثك معهم عن أية قضية سياسية بعينها ستحيط بهم.
(3) أن منبر الجمعة - رغم أهميته ومكانته - لم يعد هو المنبر الأساسي لتوصيل دعوة الإسلام للناس، وزيادة وعيهم بحقوقهم وواجباتهم، كما كان في السابق أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه وصحابته الكرام، بل من فضل الله على الإسلام والمسلمين أن لديهم الآن وسائل يومية أسرع وأقوى تأثيرًا في الدعوة إلى الله، والدعوة إلى أن يكون نظام إسلامه هو الأعلى الذي يرجع إليه الناس، ليسعدوا به، كالإنترنت والفضائيات، وما سيستجد.
فعليك أخي الكريم - عند وضع خطتك - أن تراعي وعي الناس وتفتُّحهم الذي تطور سريعًا في السنوات الأخيرة، وأن تراعي أيضًا أنه في بعض الأماكن وفي بعض الأوقات، قد تشتد القيود على خطبة الجمعة، لأهميتها في توجيه الرأي العام، فقل فيها ما استطعت على حسب ظروفك وإمكاناتك، واتق الله فيها ما استطعت، واعلم أنه سبحانه يعلمها، ويعلم السر وما يخفى، وسيحاسبك عليها يوم القيامة.
أما ما لا يمكنك قوله، فقله أنت أو توصي غيرك بقوله، من خلال وسائل الاتصال الحديثة الأخرى.
أخي الكريم، عند وضع منهجك عليك أولًا أن تحدد تحديدًا دقيقًا هدفك العام منه، حتى لا تنحرف عنه مع الوقت دون أن تشعر، ثم تحدد تحديدًا دقيقًا أيضًا أهدافك الجزئية المرحلية، وفي أية مدة زمنية يمكن تحقيقها، ثم وسائل تحقيقها، حسبما يتفق مع واقع الناس الذين تخاطبهم، وظروفهم العقلية والثقافية والمالية والاجتماعية وغيرها، ثم تضع الدلائل والمقاييس التي ستدل على أنها قد تحققت، ثم التقييم بعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة، ومعرفة الإيجابيات لتنميتها، والسلبيات لعلاجها وتلافيها مستقبلًا.
فمثلًا: هدفك العام من المنهج تغيير الناس نحو الإسلام ومواظبتهم عليه دون انحراف، وأن يظلل دولتهم وكل أرضهم نظام الإسلام وحكمه.
وأهدافك الجزئية هي تربية فرد مسلم، ثم تكوين أسرة مسلمة والتي بمجموعها سيتكون المجتمع المسلم، ثم إعداد كوادر إسلامية متخصصة لتدير كل مؤسسات الدولة بالإسلام، والتي منها ستخرج الحكومة الإسلامية، والتي بتجمعها مع غيرها من الحكومات الإسلامية حولها سيتكون وطن إسلامي له إدارته الممثلة في الخلافة والخليفة.
ولذا، فيمكنك إما أن تجعل مثلًا خطب الشهر الأول من الخطة للأخلاق، والشهر الثاني لأنظمة الإسلام، والشهر الثالث للإدارة، والرابع لمحاربة الفساد، وهكذا، ثم تدور الدورة، مع الاهتمام بالمستجدات من الأحداث وعدم إغفالها، سواء كانت أحداثًا عن الفن أو الرياضة أو التعليم أو الصحة أو التموين أو البيئة أو الجرائم أو البطالة أو الأسعار أو القوانين أو ما شابه ذلك؛ لأن الإسلام نظام شامل دائم، ييسر كل الحياة بكل متغيراتها.
ويا حبذا لو أمكن إنشاء جمعية خيرية، أو مدرسة، أو دار للأيتام، أو لجنة لجمع الزكاة وتوزيعها، أو نحو ذلك من الأنشطة العامة النافعة، لتكون نماذج يتربى فيها الناس عمليّا على أخلاق الإسلام، ويقتدون بها في كل حياتهم.
ختامًا أخي الكريم، فأنت تحتاج إلى بعض المراجع المبسطة في الأخلاق، وفي وسائل التربية، وفي العلاقات الأسرية، وفي التعامل بين الرجال والنساء عمومًا، وفي تربية الأبناء، وفي نظم الإسلام وفكره، وفي الإدارة، وفي تاريخ الخلفاء الراشدين الذين أداروا دولتهم بنظام الإسلام ليقتدي بهم كل مسئول في قوتهم ورحمتهم وعدلهم.
ويفيدك في هذا الاطلاع على هاتين الاستشارتين:
-منهجٌ في الدعوة والثقافة
-منهجٌ لتكوين الدعاة.. ووسائل للإقناع
ويضيف الأستاذ فتحي عبد الستار:
أخي الكريم، لن أضيف كثيرًا على ما تفضل به الدكتور محمد - حفظه الله - ، وإنما فقط وددت أن أشير إشارة، وأن أنصح نصيحة، وأهمس بهمسة.
أما عن الإشارة، فقد وددت أن أثبت دور الخطيب الفاهم الواعي بقضايا أمته في الإصلاح عامةً، والإصلاح السياسي خاصةً، وأن كثيرًا من حركات الإصلاح السياسي والاجتماعي والتحرر الوطني، قد انطلقت من تحت منابر المساجد، مدفوعة بخطب مؤثرة استطاعت تحريك العقول وامتلاك القلوب، فأدت إلى إيقاظ الوعي المخدر لدى الحاكم والمحكوم على السواء، ذلك لأن من ألقوا هذه الخطب علموا ما يقال وما لا يقال، والوقت والمكان المناسبَيْن للقول، وكذلك مَن هم مؤهلين لسماع أقوالهم، ومن ليسوا بمؤهَّلين، اتباعًا للحكمة القائلة: (ليس كل ما يُعلَم يُقَال، وليس كل ما يُقَال حاضر وقته، وليس كل ما يقال حاضر أهله) .
فأنت يا أخي الكريم، وكل خطيب، على ثغر هام من ثغور الإسلام، فأرِ الله منك خيرًا.
أما النصيحة الأولى: فأنصحك أن تجعل من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة صحابته الكرام، وخلفائه، وكذلك أحداث التاريخ القديم والحديث، زادًا لك يعينك على منهج الإسقاط السياسي الذي تريده، فذلك يكسب حديثك صدقًا وموضوعية وواقعية، ويجنبك الاتهام بالسفسطة والادعاء وتجاوز الحدود.
فمثلًا: يمكنك أن تستعين بقصص مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، في تأكيد مبدأ الشورى والعمل به، وعدم الانفراد بالرأي.