الصفحة 1693 من 3812

ويمكنك الاستعانة بحياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كحاكم، للتدليل على أهمية العدل بين الرعية والمساواة بينهم، وإقامة الحق ولو على النفس، وعدم التفرقة بين الحاكم والمحكوم، وكذلك عند الحديث عن زهد الحاكم وورعه، واهتمامه برعيته وخدمتهم، وخوفه من المحاسبة أمام الله عز وجل.

كما يمكنك من خلال عرض مواقف اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونقضهم لعودهم معه، أن تثبت وجوب الحذر في التعامل مع أحفادهم، يهود اليوم، وأنهم ليسوا أهل وفاء، بل أهل غدر وخيانة، ولا عهد لهم ولا ذمة.

وهكذا أخي الحبيب.

أما الهمسة التي أحب أن أهمس لك بها أخي الكريم، فهي أنه من الأهمية بمكان أن تنتقي ألفاظك وتعبيراتك عند الحديث في أمور السياسة والحكم، فلا تغمز ولا تلمز، ولا تسُب ولا تشهِّر ولا تفحُش، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحش ولا البذيء) رواه أحمد وغيره بسند صحيح.

بل اجعل نقدك موضوعيّا بعيدًا عن ذوات الأشخاص، حتى تكتسب احترام الناس وتعاطفهم مع ما تقول، ولا تجرّك حماسة الجماهير التي تستمع إليك إلى أن تتخطى حدود الأدب والشرع، فغالبًا ما يحب الناس سماع ألفاظ التعدي والتشهير، رغبة في التنفيس عن بعض الكبت الذي يشعرون به، فيجدون من خلال هذا متنفسًا لمشاعرهم المكبوتة، ولكن ما كان الإسلام دين غوغائية وتفلت وتعدٍّ، بل هو دين الأدب والأخلاق والموضوعية.

فاحذر من الانسياق وراء شهوة اللسان، بحثًا عن بطولة زائفة، بل اجعل نيتك لله عز وجل، حتى يكون لكلامك الأثر الذي تريده في الإصلاح.

وفقك الله أخي الكريم وأعانك على توصيل دعوته ونفع الإسلام والمسلمين.. ولك ثوابك العظيم، ولا تنسَنا من صالح دعائك،

دعونا نتحرر من"المكي والمدني"!!

السلام عليكم ..

تختلف الاتِّجاهات الإسلاميَّة في أساليب الدعوة بناءً على نظرتها إلى المجتمع الذي تتحرَّك فيه، وهذه النظرة تكاد تكون انحصرت في التصنيف الشائع"مكِّيٍّ أو مدنيّ"، وفى ظنِّي أنَّ هذا التصنيف لا يفي بكافَّة متطلَّبات الدعوة، ولا يحلُّ كافَّة الإشكاليَّات التي تواجه الحركة، فهل من بديلٍ لهذا التقسيم أم أنَّه ضرورةٌ منهجيَّةٌ وحركيَّة؟

شكر الله لكم.

علاء …السؤال

فقه الدعوة, قضايا وشبهات …الموضوع

الأستاذ محمد حسين …المستشار

……الحل …

…الأخ الكريم علاء، لا أدري لماذا ضيَّقت واسعا، وذكَّرتني بالأقرع بن حابس ذلك الصحابيِّ الذي دخل المسجد، ودعا قائلا:"اللهم ارحمني ومحمَّدا، ولا ترحم معنا أحدا"فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لقد حجرت واسعا"رواه البخاري.

لقد وضعت فرضيَّةً ثمَّ بنيتَ عليها نتائجك، ثمَّ إذا بك تتساءل هل من مخرج؟

يا أخي الكريم، المرحلة المكِّيَّة مرحلة تأسيسٍ كانت لها أحكامها التي نُسِخت ولا يجوز العمل بها بعد أن أعزَّ الله دينه وأكمل رسالته، وإنَّما لنا فقط أن نستخرج العِبَر والدروس من هذه المرحلة.

فلا يجوز لأحدٍ أن يُسقِط الجهاد مثلًا بدعوى أنَّنا في مرحلة استضعافٍ كما كان المسلمون في مكَّة، فالجهاد أصبح فريضةً بالآيات القاطعة:"قاتلوا المشركين كافَّةً كما يقاتلونكم كافَّة".

وبالأحاديث الواضحة:"الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة"رواه أبو داود، وفي البخاريِّ بابٌ بعنوان:"الجهاد ماضٍ مع البرِّ والفاجر"وفيه حديث:"الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".

ولكن قد يستفاد من المرحلة المكِّيَّة في وجوب الاستعداد للمواجهة، وعدم الدخول في مواجهةٍ غير متكافئةٍ واحتمال الهزيمة فيها كبيرٌ ونتائجها تضرُّ الصفَّ المؤمن وتعود بالسوء على أهل الإيمان.

وذلك من كون النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانت أمامه الأصنام بمكَّة، فلم يمسُّ صنمًا واحدًا منها، ولم يسمح لأصحابه بذلك، ويوم بايعه الأنصار بالعقبة الثانية قالوا له:"والذي بعثك بالحقِّ لئن شئت لنميلنَّ على أهل مِنى غدًا بأسيافنا"، فلم يأذن لهم صلى الله عليه وسلم، وقال:"لم أؤمر بذلك"رواه أحمد والطبرانيُّ ورجاله رجال الصحيح.

الذي يستفاد من هذا أنَّ أهل الإيمان وإن كانوا دعاة حقٍّ وهدى، فإنَّ عليهم أن يُحسِنوا التخطيط، وألا يستعجلوه خطوةً قبل موعدها، وألا يورِّطوا دعواتهم في مواجهاتٍ غير متكافئة.

هذا ما يمكننا أن نخرج به من دروسٍ تدلُّنا الطريق، ولكن يظلُّ الجهاد فريضةً ما وُجِدت مبرِّراته، ويظلُّ فريضةً على أولي الأمر دفاعًا عن الإسلام وأهله ودياره.

هذا حكمٌ فقهيٌّ ثابتٌ لا يحلُّ لأحدٍ أن يتجاوزه أو يلتفَّ حوله بأيِّ دعوى من الدعاوى، وهذا مجرَّد مثال، ولك أن تقيس عليه غيره.

أمَّا الدعوة فإنَّها في طريقها عليها أن تسلك كافَّة السبل التي تراها مناسبةً لهداية الناس إلى طريقه سبحانه، مع مراعاة الضوابط التالية:

أوَّلا: ثوابت الإسلام وقيمه وأحكامه، فلا تخرج في طريقها عن الكتاب وصحيح السنَّة وإجماع الفقهاء بداعي مصلحة المسلمين أو مواكبة العصر، فإنَّ التحلُّل من قِيَم الإسلام وثوابته يُفقِد الدعوة أخصَّ خصائصها، وهي أنَّها قائمةٌ أصلًا على الإسلام، وهدفها هداية الناس إليه.

ثانيا: مراعاة السنن"المجتمعيَّة"، فلا تخرج عليها ولا تصطدم بها، ولكن تستخدمها وتذلِّلها للوصول إلى ما تريد، لأنَّ الاصطدام بالسنن ونواميس الكون لن يغيِّر السنَّة، ولكن سيؤدِّي حتمًا لفشل ذلك الذي لم يحسن فهمها والتعامل معها، وهذا يستلزم فهم واقع المجتمعات التي نعمل بها وننشر من خلالها فهمًا صحيحًا دقيقا، لأنَّنا لا يمكننا تغيير واقعٍ نحن به من الجاهلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت