فهرس الكتاب
دعوتهم بالقدوة والخدمة، والسؤال الودود عنهم، والتوجيه الليِّن لهم، وبالكلمة الطيبة والعلاقات الاجتماعية الحسنة والمشاركة في الأفراح والأحزان، وبالأشرطة والكتيبات والبرامج الجيدة، وما شابه ذلك من الوسائل الدعوية المتنوعة.. حتى يأتي اليوم الذي يكون فيه عمل الخير إيجابيا لا سلبيا؛ أي للدفع للأمام.. للتطور والرقي والازدهار والسعادة، لا لمجرد الترميم أو عدم التخلف، أو محاولة الوصول فقط من تحت خط الصفر إلى الصفر!.
وفقك الله وأعانك.. ولك ثوابك الكبير على قدر نواياك، ولا تنسنا من صالح دعائك.
داعية عنيف ثقيل غير مرغوب!!
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد: أعرض عليكم هذه الاستشارة الطويلة مؤملا أن تجد لديكم سعة الصدر والقبول، ومن ثم الإجابة الشافية إن شاء الله.
لي قريب نذر نفسه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكل ولا يمل، لا يتحدث في مجلس إلا في الدين والسياسة العامة للمسلمين. وهو مخلص في ذلك لدرجة الهوس. وعلمه متأت من بعض سنوات الدراسة أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ومن إجازة له في علم الاجتماع وقراءاته الكتب الدينية والصحف، ومشاهدته لبعض الفضائيات كـ"الجزيرة"و"اقرأ".
لكن مشكلته أن سامعه ومخاطبه سرعان ما ينفض من حوله نفورا من أسلوبه في الخطاب، لا يقبل الاعتراض على قوله حتى إذا عورض بحجة مقبولة؛ فهو يؤثر رأيه حتى ولو كان فيه عنت له أو لمخاطبه. ولا يبقى معه إلا من اتسع صدره أو من أدرك غايته الجليلة، أو أراد مجاملته برا به وإحسانا. وهو متشدد على بنيه وحفدته وإخوته في أمور كثيرة مثل الصلاة وصلاة الصبح في المسجد، ويتهددهم بالقطيعة إن لم يمتثلوا أمره، وبقطيعة رحمه وعدم زيارتهم في الصيف؛ لأنهم لا يقبلون وعظه، ولا يمتثلون لنصيحته رغم عدم إنكارهم لما يقوله، ولأنه يرى من بعض أفراد أقاربه خصوصا أبناءهم ما لا يرضاه منهم الله ورسوله؛ كمسألة الحجاب وترك الصلاة أو السهو عنها عند نفر من أبنائهم.
لقد حاولت أن أتحدث معه في مسألة خطابه العنيف بما أوتيت من علم وهو قليل من فهمي لكتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومواقفه الدعوية العظيمة مع الكفار والعصاة والمذنبين قليلا من أهله وغير أهله -صلى الله عليه وسلم-، وبما بيننا من مودة القربى، ومما أطالعه في هذا الموقع الجليل من آراء في الدعوة والتربية من التحصن بالعلم والفقه والحكمة والحلم والحسنى والتدرج في الخطاب ومراعاة الزمان والمكان ومقامات المخاطبين وسنهم وعلمهم ومدى طاعتهم لله، ولكنه مصر على خطابه الآمر الناهي؛ الأمر الذي يجعله دائما شخصا عنيفا ثقيلا وغير مرغوب فيه لدى بعض أقاربه إذا زارهم وأقام أياما عندهم، إن لم أقل فظا غليظا في الظاهر رغم علمي بطيبته الباطنية وإخلاصه ومحبته ذويه وأقاربه.
وهو في صراع دائم مع أهله وقرابته رغم أنهم لا ينكرون ما يقوله ويعترفون بتقصيرهم في طاعة الله بحجة عدم استطاعتهم أو تهاونهم وغلب الدنيا لهم. وقد عز علي أن يصير قريبي إلى هذه الحالة الاجتماعية التواصلية مع أنه كان في شبابه من أحب الناس إلى ذويه وإلى معارفه. وأعلم أنه يتألم ليقينه أنه مجاف لا لأمر سوى أنه على حق، وهو لا يفهم هذا الجفاء إلا كونه إصرارا لمجافيه على العصيان. وهو لا يعترف بأن السبب هو أسلوب الخطاب وعنف لسانه.
أشيروا علينا برأي أو مقالة تكون جامعة لمجمل ما طرح في هذه الاستشارة لعل الله يأتي بفتح على يدكم؛ فأعرضه عليه ومناقشته معه فإن لشيخ الإسلام القرضاوي موقعا أثيرا عنده، وجزاكم الله عنا خيرا والسلام.
…السؤال
الدعوة الفردية, جمهور الدعوة …الموضوع
فريق الاستشارات الدعوية…المستشار
……الحل …
…تقول الأستاذة سعيدة رامضي -داعية وواعظة مغربية-:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمة المهداة، وبعد..
أخي الكريم عبد المالك، لقد تأثرنا برسالتك، وأحسسنا من خلالها بمدى الرحمة التي تكنها لقريبك، وغيرتك على دين الله تعالى، نكبر فيك أخي الكريم هذه الخصلة، كما نكبر في قريبك غيرته وحرقته.
ولا بد أخي قبل حمل همّ الدعوة إلى الله من التسلح بالعلم النافع؛ إذ العلم إمام العمل. ولذلك يطلب منا الإلمام بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي رحمته للخلق عامة وتعامله مع أقاربه خاصة، كما يطلب إلينا معرفة مجتمعنا وأحواله والظروف التاريخية التي مرت بها أمتنا؛ لأن البحث عن الدواء يتطلب معرفة الداء.
أولا- نبدأ بالحديث عن هديه -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله عز وجل، وهو الذي وصفه الحق سبحانه في محكم التنزيل بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ، وأثنى عليه كذلك بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} (آل عمران: 159) .
ويصف لنا سبحانه علاقة المسلمين فيما بينهم بأنهم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ، تكثر بين أيدينا النصوص، لكن السؤال: كيف نفهمها؟ كيف نفسرها؟ كيف نطبقها؟ كيف ننزلها في واقعنا المعيش؟ كيف نأخذ بعين الاعتبار ظروف أمتنا التاريخية وواقعها الاجتماعي؟.
وللإجابة نسوق لك أخي الكريم ولقريبك المحترم هذه الأمثلة الرفيعة على رحمة المصطفى صلى الله عليه وسلم للخلق عامة وذوي رحمه خاصة..