فهرس الكتاب
** وأما التوفيق.. فيعني أنَّ عليك أنْ تُوفِّقي بين كل الشئون بتوازن، وعليك التوسط والاعتدال دون إفراط أو تفريط؛ أي عليك الأخذ من الأعمال بما تتحملين، ولا تزيدين عن قدر استطاعتك وطاقتك والتي أنت -بعد الله- أدرى الناس بها، حتى لا يحدث أثر عكسي كما تشعرين الآن وتفتقدين حلاوة عمل الخير وسعاداته على حياتك أو ثوابه الأخروي، أو حتى قد تذنبين أحيانا إذا حدث منه ضرر على نفسك أو غيرك.. يقول -صلى الله عليه وسلم- مُحذرا من هذا:"عليكم بما تطيقون؛ فوالله لا يمَلّ الله حتى تمَلُّوا"، وتقول عائشة رضي الله عنها مُعَلِقة على ذلك:"وكان أحب الدين إليه -صلى الله عليه وسلم- ما داوم عليه صاحبه" (أخرجه البخاري ومسلم) .. قال الإمام النووي:"في هذا الحديث كمال شفقته -صلى الله عليه وسلم- ورأفته بأمته؛ لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر؛ فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحا فتتم العبادة، بخلاف مَن تعَاطى مِن العمل ما لا يطيق؛ فإنه بصدد أن يتركه كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة وبغير انشراح قلب؛ فيفوته خير عظيم. وقد ذم الله -سبحانه وتعالى- مَن اعتاد عبادة ثم أفرط فقال: {وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} (الحديد: 27) "
الأخت الكريمة..
كل ما سبق ذكره من التفويض لمن هو صالح مناسب، والتكوين لفريق العمل المتجانس المتآلف، والتوازن بين كل الأمور.. لا يعني أبدا التقصير أو الهروب من المسئولية؛ بل له ثوابه العظيم بإذن الله.. يقول الإمام ابن تيمية عن المسئول والمسئولية في شرح حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"إذا ُضِّيَعت الأمانة فانتظر الساعة"، قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال:"إذا وُسِّدَ الأمر لغير أهله فانتظر الساعة" (أخرجه البخاري) :"ليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية؛ فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، فإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها؛ فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله، حتى وإن اختلّت بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك؛ لأن الله يقول: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، ويقول: { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} .. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .. لكن إن كان منه عجز بلا حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك".
وأما ترك المسئولية خوفا من الوقوع في خطأ ما؛ فهذا ما لا يحبه الإسلام، بل يكرهه ويحذر منه؛ لأنه سلوك سلبي يؤدي إلى مزيد من التدهور وعدم الترقي والتعاسة.. أما ما يحبه ويثيب عليه لأنه يسعد في الدنيا والآخرة فهو الإقدام على العمل مع تصويب الأخطاء تدريجيا، وأوَّلا بأوَّل حتى يأتي اليوم الذي يكون فيه عمل المسلم والمسلمة كله حسنا وأخطاؤه نادرة أو منعدمة..
وهذا هو فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتربيته لصحابته الكرام.. فقد روت السيرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قدَّم خالد ابن الوليد -رضي الله عنه- بمجرد إسلامه لقيادة الجيش لكفاءته، ورغم عدم معرفته الكاملة بعد بأخلاق الإسلام، ورغم بعض تجاوزاته بسبب تقديراته العسكرية المبنية على فكره الجاهلي قبل إسلامه، والتي دعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحيانا إلى أن يرفع يديه داعيا:"اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد"، ويقوم بدفع دية مَن قتلهم خطأ، إلا أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يؤخره عن مكانته القيادية لأخطائه بل صوَّبها وهو فيها، حتى تناقصت وانعدمت تدريجيا مع الوقت.
وأما التقصير في عملك الحياتي النافع للنفس وللغير وللإسلام والمسلمين؛ فهذا لا نجد لك أي حجة فيه، إلا إذا كان بإذن أصحاب العمل أو باتفاق معهم على خصم بعض الأجر في مقابل الانصراف مبكرا، أو ما شابه ذلك من أنواع التراضي بين الطرفين، على اعتبار أن شهر رمضان الكريم له بعض الاستثناء؛ حيث يريد كل مسلم التدريب على فعل الخير وتوسيعه ونشره وتنويعه..
لكن إن تعارض خيْران فقد علمنا الإسلام أن نجتهد أولا في الجمع بينهما بوسائل العلاج السابق ذكرها؛ فإن لم يمكن الجمع فعلينا تقديم الخير الأول ارتباطا به والأكثر فرضية، والأعظم ضررا عند تركه، والأوسع نفعا، والأكثر شحنا للنفس وإسعادا والأكثر بالتالي ثوابا.. أي بكل وضوح: تقديم خير العمل الحياتي والذي هو مفروض عليك (والفرض هو الذي يثاب فاعله ويأثم تاركه) وفاءً للعقد الذي بينك وبين أصحاب العمل، والذي لا يمكن لغيرك القيام به، على عمل البر، والذي هو مسنون في حقك (والسنة هي التي يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها) لأنه يمكن لكثير غيرك أن يعمله.
بقيت نصيحة أخيرة أختنا الكريمة لا بد من ذكرها والتنبيه عليها..
وهي أن الدعوة إلى الله والإسلام ليست فقط في المساجد وبإطعام المساكين الجائعين! وإنما بعلاج أسباب فقرهم وجوعهم ومرضهم خارج المساجد؛ في حياتهم بدعوتهم إلى التمسك بأخلاق إسلامهم في كل شئونها، ودعوتهم إلى التمسك بالصدق والأمانة والإتقان والابتكار والعدل والشورى ونحو ذلك من الأخلاقيات الإسلامية التي لو تمسكوا بها لارتقوا، ولسعدوا في دنياهم قبل آخرتهم..
دعوتهم جميعا من خلال البيوت ووسائل الإعلام المختلفة، وتجمعات الأقارب والجيران، وتجمعات الحدائق والنوادي وأماكن العمل والمدارس والجامعات ووسائل المواصلات وكل مكان تجمع ممكن مناسب..