فهرس الكتاب
ولكن الذي يهمنا أن نتعلم فقه الاختلاف وأدب الاختلاف، وأن نعمل بالقاعدة الذهبية"أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"؛ فمعظم الجماعات متفقة في القضايا الكبرى التي تهم كل المسلمين في أنحاء العالم، أما الفروع فلا أحد يستطيع أن يوحد فيها أمر المسلمين.
وأنت أخي الحبيب، عندما تدعو إلى قيام حركة إسلامية تنصبُّ جهودها على توحيد كلمة هذه الجماعات، ومحاولة إذابة الخلافات بينها؛ فلا أراك إلا ضيَّقت واسعًا، لكن ما نريده أخي الحبيب أن نتعلم أدب الخلاف، وأن نهتم بالدعوة إلى الله، ولا يجب أن تضيع كل جماعة جهدها في الرد على الجماعة الأخرى، وتنسى أمر الدعوة.
الداعية"السوبرمان".. والمهام الصعبة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اشتركت منذ سنتين في نشاط خيري رأيت في القائمين عليه تقوى الله في العمل، وعدم الاختلاط، والالتزام الذي أحسبه حقيقيا، وشاء الله تعالى بعد فترة أن أقوم على مشروع من مشاريعه، وكنت خائفة في البداية، لكني خفت من الهروب من المسئولية أمام الله؛ فقبلت، وتوكلت على الله.
بعد فترة فتح الله علينا، وتوسعنا في عملنا جدا، والحمد لله، كانت عندي المقدرة على الاستمرار، فتحملت المشاق وأكملت، إلى أن توسعنا في العمل في رمضان فأصبحنا نقوم بإفطار يومي طوال الشهر.
منذ بدأ العمل وأنا أحاول ألا أقصر أبدا؛ لأنها مسئولية ثقيلة أمام الله، ولكن المشكلة أنني أصبحت لا أحس أبدا بحلاوة رمضان؛ لأنني تحت ضغطٍ نفسيٍّ وجسديٍّ يوميا، حتى أني أصبحت أنتظر اليوم الذي ينتهي فيه رمضان حتى أحس أني أكملت عملي. كما أنني أصبحت أخشى أن تكون ذنوبي أكثر من ثوابي لأنني كما قلت لكم من قبل هذه الجمعية تتجنب الاختلاط تماما، ولأني أنا المسئولة فيجب أن أكون أنا حلقة الوصل بين الشباب والبنات، يعلم الله أني قدر المستطاع لا أتكلم إلا لضرورة، ولا يتطرق الكلام أبدا لأي شيء بعيد عن العمل، حتى إننا لا نرفع أبصارنا أبدا عن الأرض أثناء الكلام، ولكني أخاف جدا من أي خطأ ولو صغير؛ فأقول لنفسي:"ابتعدي عن المسئولية حتى تتجنبي كل هذه الأمور". ولكني أعود فأخشى أن أهرب من المسئولية التي كرمني بها الله .
وأمر آخر أني أعمل والحمد لله طوال العام، لا يطغى أبدا عملي الخيري على عملي عند العباد؛ لأني أخشى الله كثيرا، ولكن في رمضان قد أقصر بعض الشيء في مواعيد الانصراف رغما عني، وأعرف أن ذلك قد يغضب الله، ولكني بين حَجَرَيْ رحى وقطبَي مسئولية، ولا ينفع الرجوع عنها الآن إلا بعد انتهاء رمضان ولا أستطيع أن أقصر.. فماذا أفعل؟؟
…السؤال
الدعوة العامة, زاد المسير …الموضوع
الدكتور محمد محمود منصور…المستشار
……الحل …
…الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد..
شكر الله لكم، وجزاكم خيرا كثيرا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه وعملكم به وله..
الأخت الكريمة.. عليك بالتفويض.. والتجميع.. والتوفيق.
** أما التفويض.. فيُقصَد به أن تُفوِّضي غيرك وتنيبيه عنك في بعض جزيئات العمل ما دام صالحا كفؤا؛ لأن الواقع يثبت أنه لا يوجد شخص"سوبرمان"يمكنه فعل كل شيء! فلا طاقاته ولا مهاراته ولا تدريباته ولا حالاته تسمح بذلك، لكن كلما كان العمل جزئيا ممكنا مقدورا عليه كان فعله أسرع وإتقانه أكثر ونتائجه أكبر.. كما يُفهم ضمنا من قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} (الأعراف: 142) ، الذي قال فيه الإمام القرطبي في تفسيره:"قال موسى لهارون: كن خليفتي، فدلَّ على النيابة. وأصلح: أمر بالإصلاح... أي ارفق بهم وأصلح أمرهم وأصلح نفسك؛ أي كن مصلحا. ولا تتبع سبيل المفسدين: أي لا تسلك سبيل العاصين ولا تكن عونا للظالمين..".
فمن كانت هذه صفاته فهو نِعْمَ الخليفة والوكيل والنائب لك والمُفوَّض من قِبَلك.. ولقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستخلف الأَكْفَاء المناسبين من الصحابة الكرام عند انشغاله.. فعن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لعليّ حين خلفه في بعض مغازيه:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" (أخرجه مسلم) .
** وأما التجميع.. فيُقصَد به العمل كفريق؛ إذ العمل الجماعي كله بركة وخير، خاصة إذا كان مُحاطا بمناخ الأخوة والحب وسلامة الصدور والتسامح والتعاون والحرص وحسن التخطيط والإدارة والشورى المخلصة من أجل الوصول للأفضل والأثوَب؛ فإنجازاته ستكون بكل تأكيد أسرع وأتقن وأقوى وأثمر وأكثر ابتكارا وأضمن انتشارا وخدمة ونفعا وأعظم ثوابا..
ثم لو فُرضَ وحدث أي تقصير فالكل سيتحمله؛ لأن الجميع مشارك في إعداده وتنفيذه.. وهذا هو ما يُفهَم ضمنا من قوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر رضي الله عنه عمَّن يخدمه ويعمل معه:"لا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم" (جزء من حديث أخرجه البخاري ومسلم) ، وما يُفهم ضمنا من شرح الإمام النووي له في كتابه"شرح صحيح مسلم":"أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيق؛ فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره".. ففي الحديث وشرحه الحثُّ على العمل الجماعي حتي لا يكون هناك تكليف للغير -أو للنفس من باب أولى- بما لا يطيقه ويضره.