فهرس الكتاب
الدعوة والحركة …الموضوع
مجموعة مستشارين…المستشار
……الحل …
…يقول الأستاذ فتحي عبد الستار:
الأخ الكريم هشام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك ضيفا عزيزا على شبكة إسلام أون لاين، وشكر الله لك هذه الهمة العالية، وبعد..
أتفق معك أخي العزيز فيما تشعر به وتصفه من تفرق المسلمين أحزابًا وشيعًا وفصائل، وادعاء كل فصيل احتكار الحق والصواب، وهو مما تأسف له النفس ويتألم له القلب، إلا أن عزاءنا في قول المولى عز وجل: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} (هود: 118، 119) ؛ فالاختلاف والتباين بين الناس في الأفكار والاتجاهات سنة ربانية، وناموس إلهي لا نستطيع أن نغالبه، لكن ما نسعى إليه هو التقريب والتعاون بين هذه الاتجاهات والأفكار، عملا بالقاعدة الذهبية:"نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر وينصح بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".
ولا أظن اقتراحك -مع تقديري واحترامي لنيتك- بإنشاء حركة إسلامية جديدة، يكون هدفها توحيد كلمة الجماعات وإذابة الخلافات بينها، إلا ضربًا من ضروب التشتت وزيادة الفرقة؛ فإن كان المسلمون الآن فصائل عدة؛ فبهذه الحركة نكون قد زدناهم فصيلا آخر وجماعة أخرى، فضلا عن تكريس حالة احتكار الحق التي أشرت إليها؛ حيث ستدعي هذه الحركة بالضرورة ما ادعته سابقاتها من امتلاك الصواب الذي تريد أن تجمع الآخرين عليه!!.
وقد ذكرني اقتراحك بموقف طريف شهدته بنفسي عندما دخلت مسجدًا، ووجدت الاختلاف واقعًا بين فريقين من الناس داخله حول بعض فاعليات المسجد، ولمحت مجموعة من الأفراد يعتزلون هذين الفريقين، ولهم برنامجهم ونشاطهم الخاص، فسألتهم عن موقفهم من الخلاف الدائر، فقال لي أحدهم:"إن الفريق الأول من جماعة كذا، والثاني من جماعة كذا، وكلاهما على خطأ، أما نحن فمن جماعة اللاجماعة"!!.
وكان الأحرى والأصوب في نظري بدلا من انعزال تلك المجموعة، وإنشاء جماعة ثالثة (اللاجماعة) أن يتخذوا موقفا إيجابيا، ويتجهوا بالنصح والتوفيق بين الفريقين المتنازعين؛ للوصول إلى نقاط للاتفاق يجري التعاون بين الجميع بشأنها، لا أن يسهموا في توسيع الهوة وزيادة الفُرقة بإنشاء جماعة ثالثة.
أخي الحبيب، إن الحل -من وجهة نظري- ببساطة يكمن في إصلاح القلوب أولا، ثم العقول، وتربيتها على تقبل المخالف واستيعابه وتقدير رأيه، وإعلاء قيمة الحوار، ونبذ نبرة الحديث بالضميرين (نحن) ، و (هم) ، واختزالهما في ضمير واحد هو (نحن) ، وإن اختلفت المشارب والأفكار والوسائل. يقول جلا وعلا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143) ، ومفهوم الأمة هنا يشمل جميع الأفكار المسيَّجة بسياج الشريعة الواحدة والعقيدة الواحدة، ويحتضن كل اجتهاد وفكر لا يخرج عن هذا الإطار.
إنه من غير الممكن بل ومن المستحيل أن نهب الصواب ونخلع العصمة على فرد أو جماعة أو مؤسسة، ونحرم ما عداها منها، بل كلٌ عنده من الصواب ما عنده ولديه من الحق ما لديه، وأيضًا كلٌ عنده من الخطأ ما عنده ولديه من الشطط ما لديه، ورغم كل هذا فهو مستوعب ومقبول داخل الدائرة الإسلامية الواحدة ما دام لم يخرج عن الإطار المبين والمحكوم بأصول الشريعة وأسس العقيدة.
ولا يجوز هنا أن نداوي بالتي كانت هي الداء؛ فننشئ فصيلا جديدا وجماعة أخرى؛ بل يكمن الدواء في تركيبة من خمسة عناصر كافية لقتل جراثيم الفرقة والتشرذم، هذه العناصر هي: الفهم، والحب، والتعاون، والنصح، والإعذار. فلتحمل على عاتقك أنت ومن يحذو حذوك ويفكر تفكيرك إشاعة هذه المفاهيم، وبذر هذه العناصر الإيجابية في نفوس من تعرف من المنتمين للجماعات المتباينة، عسى الله -عز وجل- أن يؤلف بين قلوبنا ويصلح ذات بيننا، إنه سبحانه وتعالى على ما يشاء قدير.
وأنصحك أخي بمطالعة هذا المقال:
-قواعد حاكمة للاختلاف الرشيد
ومرحبا بك وبرسائلك دائما.
ويضيف الأستاذ فوزي منصور -عضو فريق الاستشارات الدعوية بمصر-:
أخي الحبيب هشام.. بارك الله فيك ونفع بك أمة الإسلام.
بداية أخي أحب أن أقول لك: إن المسلمين اليوم متفرقون حقًّا رغم أن عوامل الوحدة موجودة من عقيدة صحيحة، ولغة واحدة، وقبلة واحدة، ورب واحد، ومنهج واحد وهو منهج الإسلام؛ فنحن في حاجة الاتحاد والوحدة، وقد اتحد الغرب رغم ما بينهم من خلافات.
ولكن أخي، من حكمة الله -عز وجل- أن يوجد اختلاف، وهذا الاختلاف أمرٌ صحيٌّ إذا كان في الأمور الفرعية، أما الأصول فلا خلاف عليها، والجماعات كلها هدفها واحد، وهو عودة المسلمين إلى ربهم وعودة مجد الإسلام، وكلٌّ يتخذ من الوسائل ما يراه مناسبًا لتحقيق الهدف، واختلاف الوسائل لا غبار عليه، وأيضًا يوجد بعض الخلافات بين الجماعات في الأمور الفرعية، وهذا أيضًا لا إشكال فيه؛ فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- بينهم خلافات، وهذه الخلافات أوجدت المذاهب الفقهية.
ولا بد أن تعلم أخي الحبيب أن الخلاف أمرٌ ثابتٌ ومستقر، وهو من طبيعة هذا الدين وأصل من أصوله؛ فالقرآن والسنة -وهما المصدر الأساس في التشريع الإسلامي- نصوصهما تقبل الاختلاف بل وتحتمه؛ فقد وردت نصوص القرآن بعضها قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وبعضها قطعي الثبوت ظني الدلالة، والخلاف يكون واسعا في النوع الثاني، ولو أراد الله حسم الخلاف لأنزل آيات القرآن كلها قطعية الدلالة لا يختلف حولها اثنان، لكن الواقع أن الآيات ظنية الدلالة أكثر من الآيات قطعية الدلالة، وبالتالي يكون الاختلاف حولها كبيرًا، وهذه النصوص هي التي تضمن قابلية الإسلام للتطور، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.