الصفحة 1737 من 3812

ولما نزل قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} خرج مسرعا عند سيدنا معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، وقد كان يستعدان للسفر إلى اليمن، فقال لهما:"على رسلكما، يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا"، ومن التيسير ما ذكره الله تعالى في سورة البقرة أن: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256) . وأمره سبحانه لسيدنا موسى وأخيه هارون عندما أرسلهما إلى فرعون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 44) ، ولبث سيدنا نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا

7.وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ * َأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (نوح: 5-12) دعوة بالليل والنهار، بالإعلان والإسرار، بالترغيب والترهيب، تنويع لأساليب الدعوة وأشكالها من غير ضجر أو اشمئزاز بل صبر ومصابرة واحتساب.

وللمزيد من هذه المواقف الرائعة أحيلك أخي الكريم على ما كتبه الدعاة في هذا الباب وهو كثير، وأخص بالذكر ما كتبه الدكتور يوسف القرضاوي (خاصة أن قريبك من المعجبين به) في فقه الدعوة والتيسير وتجنب التطرف والغلو.

ذكرنا في المقدمة أن العلم إمام العمل، وهذا هو العلم.. فما العمل؟

مجموع النصوص السالفة الذكر تعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، تعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء، لكن السؤال: من أين تكتسب هذه الخصال؟ وكيف؟

أحيلك أخي الكريم على كلام للأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه"الإحسان"إذ يقول:"علاقة العبد بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لا يفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته، بهذا الإحسان في عبادة ربه يطيب قلبه، وتجمل أخلاقه، وتصلح نواياه؛ فيكون للخلق رحمة يعم نفعه العالم الأقرب فالأقرب، ونفعه للمجتمع وللناس كافة (وهذا بيت القصيد) لا يتوقف على حسن النية وجمال القصد والإسراع إلى الفعل فقط (وهي صفات ذكرتها في وصفك لقريبك) بل يتوقف أيضا وبالمكانة المؤكدة على خبرته ومهارته وقدرته على إتقان ما هو موكول إليه من أعمال".

فمن أين لنا بهذه الرحمة وهذا الإتقان؟

نقترح عليك أخي الكريم ما يلي:

1-اختر لقريبك رفقة صالحة مناسبة له ولعمره، وحاول تقريبهن منه وتقريبه منهم؛ فـ"الطبع من الطبع يسترق"كما تقول العرب، وفي حديث الجليس الصالح وجليس السوء تأكيد لذلك.

2-اصحبه لمحضن تربوي يتمرس فيه على هذه المعاني ويتدرب؛ فالكتب والأشرطة وحدها لا تفي بالغرض.

3-إن للقلب إشعاعا واضحا وأثرا بينا على الجوارح كلها؛ فهو أمير الجسد كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان، الذي نقتطف منه قوله صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب"، وإنما تصلح هذه المضغة بذكر الله والدوام عليه وقرع بابه، والانكسار بين يديه؛ فصفات الرحمة والرفق واللين والخلق الحسن أرزاق يهبها الله لمن طرق الباب وتاب وأناب، ولما انتبه القلب استجاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} (الأنفال: 24) ، نعوذ بالله.

4-إن الأمر مداومة وطول نفَس، وهذا يتطلب أول ما يتطلب صدقا وإخلاصا لله ينأيان بالداعية عن رد فعل غضبي أو تشنج أو تجهم إذا لم يستجب لدعوته مدعو، وإذا لم ينتصح لنصحه مخاطب.

5-وبخصوص موقع قريبك في قلوب العائلة ونظرتهم إليه حاول جهدك أن تفهمهم حسن نيته وجمال قصده حتى يتسنى لهم احتضانه والصبر عليه.

6-حببه إلى أطفال العائلة وحببهم إليه؛ بالزيارة والاستزارة، والهدية والكلمة الحانية المشجعة الرفيقة.

7-اعلم أخي الكريم -وما إخالك تغفل ذلك- أن الله هو الفاعل المختار سبحانه، هو المتصرف في الكون، بيده قلوب العباد يقلبها كيف يشاء. لذا يطلب إلينا الاستعانة بالدعاء خاصة بظهر الغيب وفي الأوقات التي هي مظنة استجابة الدعاء، وبالأخص هذا الشهر المبارك، شهر رمضان شهر المغفرة والقرب واستجابة الدعاء. فقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:"الدعاء مخ العبادة" (سنن الترمذي) ؛ بل:"الدعاء هو العبادة" (مسند الإمام أحمد) كما في حديث آخر.

أسأل الله أن يشرح للخير صدورنا، وأن يفتح مغاليق قلوبنا لذكره، وأن يرزقنا رحمة في قلوبنا، وحكمة في عقولنا، واستقامة في جوارحنا، وأن يبلغنا أعلى الدرجات أفرادا، وأن يرزقنا التمكين والنصر أمة.

ووفقكم الله لكل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

برنامج رمضاني.. فردي وجماعي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت