فهرس الكتاب
ويُتمّم هذا المفهوم بسُنَّة أخرى بثها ربنا سبحانه وتعالى في الحركة بهذا الدين: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) ، فلن تكون التقوى بغير صلاح وإصلاح.
إن الحديث حول"سفينة المجتمع"والسنن التي تحكم مسيرتها سلبًا وإيجابًا، لهو من أولويات الدعوة المهمة لدى الداعية، إذ الشهر المبارك يلبسه، ليلبس هو لباسًا للتقوى والصلاح والإصلاح.
ثالثًا: عرض فقه التغيير الذكي:
فالناس كل الناس تسعى للتغير من أنماط حياتها، ومن رُزِق منهم الإخلاص، قد يعوزه بعض وعي ننثره عليه في هذا الشهر الكريم، إن إعداد منهج للتغيير يقوم على صعود إلى العمق النفسي في كل حناياه، وقد تكفل ربنا بهذا التشريع - الصوم - تكفل سبحانه بكتم جانب الشهوات في الإنسان، ليكون منه مزيد من المحاكاة النفسية التي تقوم عليها فلسفة الصوم في نفس المسلم، فيكون التغيير.
قال عز وجل: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، هذا هو التغيير الذكي في جانبه الإيجابي، جانب العطاء، وقال سبحانه: (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمةً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) قال أهل التفسير: إن الله لا يسلب قومًا نِعَمَه حتى يغيروا ما بأنفسهم فيعملوا بمعصيته.
إن تحريك الفاعلية والإيجابية في نفس المسلم، وهو في عبادة هي كلها لله تعالى - الصوم لي وأنا أجزي به - سيكون له أثر كبير مضاعف بحول الله تعالى، وهو التغيير الذكي الذي نعني، وعند طرحه على الناس بقواعده وأسسه ومقدماته ونتائجه، سيكون الذكاء في التغيير هو الباب الكبير الذي تلج منه الأمة إلى أمجادها، تغييرًا في النفس والروح، وتغييرًا في الفكر والوعي، وتغييرًا في الآفاق والآمال، وتغييرًا في اللباس والزاد.
لقد توارد معنى الإيجابية، وتكرر في القرآن الكريم بصور شتى وأساليب متنوعة، ليتركز مفهوم فردية التكليف، و بالتالي ذاتية العمل، وما ينعكس عن ذلك من تثبيت مفهوم إيجابية الداعية في العمل والمثابرة، ومنها أوضح آية في كتاب الله تعالى، تحدد معنى الإيجابية، ألا وهي قوله تعالى: (فقاتل في سبيل الله لا تكلَّف إلا نفسك وحرض المؤمنين) ، والمعنى واضح في أمر الله تعالى لنبيه في عدم تكليف أحد إلا نفسه، وألا ينتظر إعانة من أحد، رغم أن المعلوم من الشريعة أن الأمة كلها مكلفة بالجهاد، ولكن المعنى أن يفترض كل مسلم من الأمة - والقدوة في ذلك نبيها صلى الله عليه وسلم - أنه وحده المكلف بالأداء، وأن الله قادر على نصره، وينحصر واجبه في تحريض المؤمنين.
ولينطلق كل فرد من المدعوين بصور من التفاعل مع مجتمعه، ومساعدة الناس وحل مشكلاتهم، ونُعلّم الناس الإبداع، في ضرب مثال بذاك الصحابي الجليل الذي أبدع في مواجهة حال المسلمين في معركة القادسية، يقول القرطبي في تفسيره:"وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلًا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها، فقيل له: إنه قاتلك. فقال: لا ضير أن أُقتَل ويُفتَح للمسلمين".
ونرسخ في الناس تخطيط هذه الإيجابية من خلال عرض الدوائر الثلاث في نفس كل مسلم:
-دائرة الذات:
فهمًا وتطويرًا وعلمًا وعملًا، وحياةً في ظلال قرآن كريم، واقتداءً دائمًا متحركًا بنبي كريم وصحب أماجد.
-دائرة التأثير:
في المحيط الدعوي لكل مسلم مع من حوله، كلٌ بحسب حاله وواقعه، تبدأ الدائرة من البيت والأهل، (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) وتتسع الدائرة: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) متفق عليه، (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في مال الزوج ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته، ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) متفق عليه، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه، (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كُربة فرَّج الله عنه بها كُربة من كُرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم، (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) رواه مسلم، (ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به) رواه الطبراني والبزار بإسناد صحيح، (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف) رواه مسلم.
-دائرة الاهتمام:
بشئون الأمة العامة والخاصة، وفق تصور ناضج، قد يصل إلى دائرة التأثير ويرتقي لها، (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) ، (من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح و لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) رواه الحاكم وصححه السيوطي.
ووفقا لهذه الإيجابية، وهذه الدوائر التربوية يكون العطاء المنهجي العالي.
رابعًا: آمال الأمة وليس آلامها:
ففي شهر رمضان المبارك العديد من الأحداث الهامة في تاريخ أمة الإسلام المباركة، ففيه بدر الكبرى؛ يوم الفرقان، وفيه الفتح الأكبر؛ فتح مكة، وفيه فتح الأندلس، وفيه عيون المعارك؛ عين جالوت.