الصفحة 1754 من 3812

والداعية الفقيه لا يعرض هذه الأحداث سردًا قصصيّا، يداعب به نفوس الناس، ويجعلهم يعيشون مع دغدغة التاريخ وأمجاده، كلا، بل يربط بين حال المسلمين في أيام التتار، وما وصل إليه حالهم في تلك الفترة، وسبب ذلك التراجع، وكيف نهضت الأمة، وزيحت عنها الغُمة المغولية، وكيف دخل معظم التتار في دين الله تعالى، من خلال قوة المسلمين، ومن خلال حسن التعامل معهم، هذا، مع التغول الحالي لقوى الظلم والقهر اليوم، ومهما وصل الحال، ومهما ضاق الأمر على الأمة، سيكون لها عين كعين جالوت، تتجلى فيها نفوس المؤمنين التقية ستارًا لقدرة الله بنصرة دينه سبحانه وتعالى.

ولن يكون الفرقان لهذه الأمة لتشق طريقها في الحياة والممات، إلا بذلة لله تعالى وأوبة له وفرار إليه: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) ، فلا هو الإعداد المادي فحسب، بل يقدم عليه إعداد النفوس لتكون أهلًا للفرقان في حياتها.

فقد نشر المسلمون العلوم في أندلس جميلة وأشاعوا فيها العدل والعلم، وأسسوا المنابر للدنيا كلها، دون احتكار أو هيمنة، هذا، وبعد أن تفشت الخلافات، ونزلت الاهتمامات عند قادة المسلمين، سلب منهم كل شيء، تلك دروس يطول بسطها ها هنا، ولكل داعية عالي الوعي مزيد علم ونضج يبثه للناس.

نربط ذلك كله بما يجري اليوم على الساحة الإسلامية، وما يعصر قلب المؤمن من ألم فيها، غير أننا ندفعه بأمل في تحقيق تلك الأمة للقوانين والسنن، مع تفاعل معها الآن، إذ نحن حملة الأشرعة البيضاء، مهما جرت الرياح بما لا نشتهي.

فها هي أماكن مقدسة تنتهك فيها حرماتنا، ويدنسها يهود وأعوانهم، نرفع من الاهتمام بها في قلوب الناس، ونعرض لهم الخبر اليقين فيها، نحرك إيمانهم للتفاعل معها بكل ما يقدرون عليه، من دعم مادي لمستحقيه من الضعاف، ولمستحقيه أكثر من الأقوياء المجاهدين على أرض الإسراء والمعراج، وهو الدعاء لهم في كل وقت فرادى وجماعات، مع تعبيرات حضارية على هيئة اعتراضات لما يجري، كل في بلده، وما يتاح له من الأعمال الحضارية التي تبني المجتمعات ولا تهدم الدعوة!.

في فلسطين، المجاهد الفلسطيني زلزل الأرض من تحت أقدام اليهود، وهم متمكنون في أرضه، بمدنهم وقراهم ومستوطناتهم، وجيوشهم النظامية والاحتياطية، وأسلحتهم الفتاكة الجوية والبرية والبحرية، وتقف من ورائهم الدولة الأمريكية الظالمة بالمال والاقتصاد، والإعلام والسياسة والدبلوماسية، ولكن الشعب المجاهد يقف بكل شجاعة واستبسال، أمام تلك القوة العاتية، لا فرق بين شاب وشابة، ورجل وامرأة، زلزلوا أقدام العدو، بإمكانات مادية ضعيفة، ولكن بقلوب أفرغ الله عليها من الصبر، ما جعلها رابطة الجأش مطمئنة عند لقاء العدو الغاشم، وأجساد نحيفة نحيلة، ولكنها أشد ثباتًا من الجبال الصخرية الراسية.

دمر اليهود منازلهم، وقصفوا مستشفياتهم، وقطعوا أشجارهم، وأغلقوا مدارسهم، وجرفوا طرقهم، وقتلوا منهم من قتلوا، وأسروا من أسروا، واغتالوا من اغتالوا، وحاصروهم حصارًا قَلَّ أن يوجد له في العالم نظير، ومنعوهم الطعام والشراب والكساء والدواء، ورغم ذلك كله صمدوا، وأرعبوا العدو، وجعلوه يقف عاجزًا، أمام أفراد قليلين من الشباب المسلم المجاهد، الذي تخطى الحواجز المتصل بعضها ببعض، وأجهزة الأمن والجيش الذين لا يخلو منهم شبر من الأرض، ووصلوا إلى حيفا وقلب تل أبيب والخضيرة، وغيرها من المدن والمستوطنات المحصنة، وقاموا بهجماتهم الاستشهادية التي أعلن اليهود عجزهم عن الوقاية منها؛ لأن رجال فلسطين ونساءها ينفذونها بأجسادهم، رغبة في لقاء ربهم شهداء، ملبين داعي النفير في سورة النساء و سورة آل عمران، وسورة الأنفال والتوبة، وسورة الأحزاب وسورة الحشر.

كل هذه البطولات وهذا الصمود يريد دعمًا نفسيّا بالدعاء، ودعما ماديّا بالمال، ولتكن قضية فلسطين وقدسها المباركة قضية الأمة في هذا الشهر المبارك، بتفاعل وإعلام وإنفاق مال، ودفع الزكوات للمجاهدين النبلاء.

وفي بلاد الرافدين، العراق الحبيب، يراد له اليوم الخراب من قوى الظلم والطغيان، ولن يتورعوا عن ضربه وسلبه، تلك عراق دار السلام، عراق دار الخلافة، وإن حكمها الظلم، تظل دارًا للسلام عندنا، ومنبع الحكمة قديمًا.

إن نصرة إخواننا في العراق لهي من أكبر القضايا الأولية الآن، وقد بدأ صليل السيوف يسمع، رغم الحصار، والموت لأعداد كبيرة كثيرة من أولادنا في العراق، وما ثمة حل عند أهل الظلم إلا مزيد ظلم.

علينا - أيها الدعاة - أن نُفعّل هذه الموضوعات في تيار عام نصنعه، ونعطي الناس الخبر الصحيح في فقهها، وكيفيه نصرتها، وفضح كل ظالم ومتعاون وصامت، ورفع الأيادي في القنوت في جماعة المسلمين بالدعاء لإخواننا جميعًا، وأمر الدعاء لا يستهان به، فقد زلزل الروس في غزوهم للشيشان، وطلبوا منعه، فنكثر منه على الملأ، ونحرض الأمة على الإخلاص فيه، فهذا أقل ما يجب، فضلًا عن مال وزكوات.

ومن المهم أن نقرر في أذهان الناس أنه مهما تكالبت علينا الأمم، ومهما كثر الظلم وعم القهر: (لن يضروكم إلا أذى) ، وهم (أحرص الناس على حياة) ، (ويمكرون ويمكر الله) ، وحقيقة: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) لكن إيماننا قوي لأن: (وعند الله مكرهم) .

هذه قوانين ربانية تتعلمها الأمة من الداعية إذ هو يدلها على أبواب الصعود بذكاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت