قال الله - تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء110] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" [حديث صحيح] ، وسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يرفعون أصواتهم بالذكر وهم مُحْرِمون فقال لهم:"اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، وإنما تدعون سميعًا بصيرًا"، ولما دخل المسجد - عليه الصلاة والسلام - وجد أصحابه وقد ارتفعت أصواتهم بالقراءة فقال:"لا يجهر بعضكم على بعض"، وكانوا يرفعون أصواتهم بالقراءة في الصلاة، فنهاهم عن ذلك وقال:"من ذا الذي ينازعني القرآن"أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -. فهذه النصوص الشرعية تدل على كراهة أو تحريم رفع الصوت بقراءة القرآن أو الأذكار في المساجد وهي بيوت الله - عز وجل -، والقرآن كلام الله - تعالى -، والذكر أفضل الأعمال، وبنيت المساجد لذلك، ومع ذلك فإنه لا يجوز لمسلم أن يزعج من حوله في المسجد بالقراءة، لما في ذلك من إشغال الذهن، وتشريد الفكر، فلما كانت هذه فتنة ومفسدة للغير، مُنع منها المسلم، درءًا للفتنة، وإغلاقًا لباب الإيذاء المترتب على رفع الصوت بين الناس، لاسيما وهم يؤدون أعظم الفرائض. فما بالنا اليوم بمن يأتون المساجد في ضيافة الرحمن جل جلاله، واقفون بين يدي العزيز الجبار، وبدل أن يخشعوا في صلاتهم، وينصتوا لإمامهم، ويُنيبوا إلى ربهم، تجدهم يدخلون بهواتفهم المحمولة، دون إغلاق، بل يتركونها تعمل لينطلق منها موج هادر من الموسيقى المحرمة شرعًا وعرفًا، تصعق المستمع، وتشغل الخاشع، تغضب الرحمن جل جلاله، وترضي الشيطان وأعوانه، أصوات مفجعة، ونغمات مفزعة، وأغان موجعة، أدخلوها أعظم البقاع حرمة وقدسية، وأحب البلاد إلى رب البرية، فأين عقول أولئك البشرية؟ والله - تعالى -يقول: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج30] ، ويقول - سبحانه: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج32] . وأي تعظيم لحرمات الله وأناس يدخلون بجوالاتهم إلى بيوت الله، وأي تعظيم لشعيرة الصلاة وعبيد لله لا يخشون الله ولا يخافونه، تنبعث من هواتفهم الموسيقى الماجنة الصاخبة، وأدهى من ذلك وأمر، وجود أصوات الأغاني داخل المساجد، نسأل الله العفو والعافية، ونسأله الثبات على دينه، ونسأله أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنها والله فتنة عظيمة، ومصيبة كبيرة، حطت رحالها بالأمة، وياللعجب عندما ترى بعض الناس يسمع ولا ينكر، بل ربما ابتسم أو ضحك، أو قال لا دخل لي، فأين الإسلام؟ أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين الغيرة على دين الله؟ وأين الغضب لله إذا انتهكت محارمه؟ رُحماك ربنا بحال أمتنا، أمة أكل عليها الزمن وشرب، إلا من رحم الله وقليل ما هم. فيجب على كل مصلٍ أن يتقي الله - عز وجل -، وأن يجعل مخافة ربه نُصب عينيه، وأن يغلق جواله إذا دخل المساجد، أو يجعله على الصامت أو الهزاز، ووالله إن إغلاق الجوال لهو أنجح وسيلة للخشوع، وعدم التعلق بالدنيا. فيجب على المسلم أن يكون وقَّافًا عند حدود الله، مبتعدًا عن النواهي، منزجرًا عن الزواجر، حتى لا يشغله شيء عن صلاته، فبقاء الجوال يعمل دليل على سخف الرجل وضآلة عقله، وقلة تفكيره، {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان44] . ولا يختص الكلام بأصوات الموسيقى والغناء المنبعثة من الجوالات، بل حتى أصوات الأذان وقراءة القرآن، فهي أصوات تؤذي المصلي، وتنزع طمأنينته وخشوعه لربه، فلا يجوز لأحد أن يؤذي المسلمين والمصلين، لاسيما وقت الصلاة، لأن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي أول ما يُحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام وفسطاطه الذي لا يقوم إلا به، فلذلك يجب العناية بالصلاة أشد عناية، والاهتمام بها أعظم اهتمام. ومن دخل المسجد وترك جواله يعمل فقد أساء وظلم وتعدى، وأسرف وآذى، والله - تعالى -يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب 58] ، ويقول - سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج10] ، ولا يخفى على كل ذي لُب أو عقل راجح ما للجوال من مضار ومساوئ داخل المساجد.
وفي نظري أن مرد تطاير أصوات الجوالات في المساجد يعود إلى ثلاثة أمور:
الأول: الجهل بحكم الشرع في هذه النازلة والمعضلة الخطيرة: وقد زال الجهل بفضل الله - تعالى -بصدور فتاوى العلماء بتحريم استخدام الجوال داخل بيوت الله - عز وجل - من خلال الخطب والمحاضرات والأشرطة والنشرات، والمسلم يعلم علم يقين حُرمة الموسيقى والغناء، فأي جهل بعد ذلك.
الثاني: النسيان: الله - تعالى -لا يؤاخذ عباده بالنسيان، لكن هناك الملصقات الحائطية، والإرشادات الكتابية، الدالة على تذكير المصلي بضرورة إغلاق جواله، وهنا قد زال النسيان، وهب أن مصليًا دخل بجواله ونسي إغلاقه، فإن رنَّ وهو في الصلاة فيجب عليه أن يخرجه ويغلقه، حتى لا يستمر في الرنين بين الفينة والأخرى، وهذا أسلم حل لذلك، وها قد انقشع غمام النسيان، وظهر البيان بالبرهان.