الصفحة 1790 من 3812

فالحديث في أمور الدين ليس من السهولة بمكان كما قد يفهم الكثيرون، لهذا يجب أن يتولاها أهلها المستحقون لها، وقد حذر النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - من عكس هذا فقال: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله» (1) .

كما يجب أن يكون خطاب الخطيب للناس خطابًا يسير وفق الأصل النبوي، خطابًا مبنيًا على حسن البيان، والاختصار والإفهام؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي وَائِلٍ قال: «خَطَبَنَا عَمَّارٌ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ؛ فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ! لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وإن مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» (2) .

كما أن الخطاب يجب أن يكون هاديًا ومحببًا الناس بالإسلام، وهو ما أشار إليه الإمام علي ـ - رضي الله عنه - ـ في قوله: «إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يرخِّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمِّنهم من عذاب الله، ولم يَدَع القرآن رغبة إلى غيره» (3) .

فرواد الجمعة هم كل المجتمع، فيهم الأمي والمثقف، والجاهل والعالم، والصغير والكبير، والرجل والمرأة، والمتحزب وغيره، ويمكن تصنيفهم إلى أربع فئات - من حيث فهمهم وما يلزمهم - اجتهد في وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ - رحمه الله - ـ حيث قال: «الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فارشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه» (4) .

وكلهم يحضرون بقصد الاستفادة من توجيه الخطيب، والتعلم من العلم النافع الذي يخدم مسيرة كل واحد منهم في حياته؛ فمنهم من يأتي للاستفادة، ومنهم من يحتاج إلى من يوقظه من غفلاته وسهواته، ومنهم من يرغب في الإرشاد، ومنهم من يستحق التنبيه والتحذير.

2 -خصائص الخطاب الدعوي لخطيب الجمعة:

إن المتفحص في نصوص شريعتنا، يستخلص خصائص مهمة للخطاب الديني الذي يجب على خطيب الجمعة الالتزام بها، والحرص على تنفيذها للإسهام في توجيه مسار الأمة نحو الخير والوسطية التي جاء بها ديننا الحنيف - باعتبار أن الخطيب هو واحد من دعاة الأمة الذين يوجهون للناس خطابهم الأسبوعي دون مناقشة أو استفسار، وينصتون إليه بكل شغف وشوق، ويعطونه آذانهم دون كلل أو لغو، ويحرصون على الاستفادة من خطابه لحسن معاشهم ومعادهم - وخصوصًا أن نص الحديث يحيط بهم بقوله - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» (5) .

لهذا على الخطيب أن يراعي في خطابه جملة من الخصائص تتمثل في الآتي:

1 -أن يكون خطابه شرعيًا ربانيًا؛ حيث يحرص في خطابه على دعوة الناس إلى توحيد الله وعبادته وحده وعدم الإشراك به؛ فالأصل في بعثة الأنبياء والرسل الدعوة إلى عبادة الله وحده، وتصحيح عقيدة الناس التي انحرفت؛ وخير مثال على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث مُعَاذًا ـ رضى الله عنه ـ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ...» (6) .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: الإيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ. قَالَ: مَا الإسْلاَمُ؟ قَالَ: الإسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شيئًا.. » (7) .

فالله ـ - سبحانه - ـ أخبر بأن المغفرة تشمل كل الخطايا والذنوب باستثناء الشرك فقال: {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] . كما حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - منه بقوله فيما رواه عن ربه: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (8) .

لهذا يبقى خطاب الدعوة العقدي أصل الخطاب الذي ينبغي أن لا يغيب، ولا بأس بتكراره، وتجديد الحديث فيه بطرق ووسائل تبليغية تواكب مستجدات الشرك ومستحدثاته، كما تبدع في وسائل الخطاب الذي يحاربه، وبلغة سهلة ميسرة تصل إلى القلوب قبل الأسماع.

2 -أن يكون الخطيب هاديًا لا جابيًا:

أي يحرص في خطابه على هدي الناس إلى البر، مع تجنب الجباية أو طلبها بخطابه؛ فالهادي ضد الجابي، والله في عون كل من رغب في هداية الناس إلى الخير ويوفقه ويجازيه خير الجزاء، ويكفي في بيان أجر ذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب ومن خلاله لكل الأمة: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم» (9) . فأحب العباد إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس، وهو ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثه: «إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس» (10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت