فهرس الكتاب
وقد شرع الله الوقف والندب إليه وجعله قربة من القرب التي يتقرب بها إليه؛ ففي الحديث أن رسول الله قال: { إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته، بعد موته، علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، ومسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته } [رواه ابن ماجه وحسنه الألباني] .
فكان الوقف من أعمالهم التي سارعوا إليها فقد كان لأبي بكر دور بمكة فأوقفها على أولاده، وعمر أصاب أرضًا بخيبر فأتى النبي يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه. فقال: { إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها } . فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي ذي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف.. [رواه مسلم] . وفي خلافته أعلن صدقته ودعا نفرًا من المهاجرين والأنصار فأخبرهم بذلك وأشهدهم عليه فانتشر خبرها. وتسابق الصحابة في وقف كثير من أموالهم وحبسها في أوجه الخير والبر. قال جابر رضي الله عنه: ( فما أعلم أحدًا كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالًا من ماله صدقة مؤبّدة لا تشترى أبدًا، ولا توهب، ولا تورث ) .
وقد أوقف عثمان بن عفان أملاكه بخيبر على أولاده، كما سبّل بئر رومه لوجه الله تعالى. وأوقف علي بن أبي طالب عيونًا من الماء في ينبع. كما أوقف ضيعتين تسمى إحداهما عين أبي نيزر، والثانية تسمى البغيبة، وجاء في وقفها: ( بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين، تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيرز، والبغيبة، على فقراء المدينة وابن السبيل ليقي الله بهما وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعا ولا تورثا، حتى يرث الله الأرض وهو خير الوارثين، إلا أن يحتاج إليهما الحسن أو الحسين فهما طلق لهما وليس لأحد غيرهما.. ) .
ولقد أوقفت أسماء بنت أبي بكر دارها صدقة حبس لا توهب ولا تورث.
وتصدقت أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها بأرضها في الغابة صدقة على مواليها وعلى أعقابها حبسًا لا تباع ولا توهب ولا تورث.
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلًا. وكان أحب أمواله إليه بيرحًا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي يدخلها ليشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يقول: لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] . وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله: { بخ ذلك مالٌ رابح، ذلك مالٌ رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين } ، فقال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
وقد احتبس خالد بن الوليد أدراعه وأعتاده في سبيل الله.
والوقف: هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهو صدقة جارية يقفها المرء ويسبّلها في حياته لوجوه الخير والبر، فيستمر أجرها مادامت باقية. وفي هذا عظيم المنفعة للواقف بإجراء حسنات له في حياته وبعد مماته، لما في ذلك من فضائل الوقف النافعة التي تعين على الخير والأعمال الصالحة، وتعين أهل العلم والعبادة، وتسد حاجات الفقراء والمساكين، والمرضى والمعوزين، وترفع راية الدين بنشر العلم النافع، وبناء المدارس ودور الأيتام.
ويجوز وقف كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، سواء كان ثابتًا كالعقار، أو منقولًا كالسلاح، والثياب والسيوف.
ويصح وقف الحلي للبس والإعارة، فعن نافع قال: ( ابتاعت حفصة حليًا بعشرين ألفًا فحبسته على نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته ) .
وأفضل أنواع الصدقات أنفعها وأدومها، ولا يتأتى هذا إلا إذا كانت الصدقة مضمونة البقاء، تقوم على أساس، وتنشأ من أجل هدف محدد، وترمي إلى غاية شرعية خيرة. فأغراض الوقف ليست قاصرة على الفقراء والمساكين وحدهم، أو دور العبادة والعناية بها فحسب، بل تتعدى ذلك إلى أغراض أخرى مثل: دور العلم، والمعاهد الشرعية، وطلبة العلوم الإسلامية القائمين على شريعة الله. والمستشفيات، والمجالات كثير ة متعددة، وقد أوقف صلاح الدين الأيوبي بلده بلبيس لفك أسرى المسسلمين من أيدي الأعداء.
أخي المسلم:
تتنوع حاجات الناس العامة للوقف بحسب المكان والزمان، وأول وقف في الإسلام هو مسجد قباء، قال ابن كثير رحمه الله: ( لبث رسول الله في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه، ثم انتقل إلى منازل بني النجار من الأنصار ) . وإليك أنواعًا من الوقف لا تغيب عن بالك.
أنواع الوقف:
1-الوقف بإنشاء المساجد ورعايتها والقيام بئؤونها امتثالًا لقول الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] .
وقول النبي: { من بنى مسجدًا لله تعالى يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة } [رواه البخاري ومسلم] . ورواه ابن ماجه بلفظ: { من بنى مسجدًا لله، ولو كان كمفحص قطاة أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنة } والمفحص: عش الطير، والقطاة: طائر يشبه الحمام.
ومن أجل أن يقوم الإمام بواجبه على أفضل وأكمل وجه؛ يلحق بالمسجد سكن خاص بالإمام، ويعتبر من ضمن مرافق الوقف وملحقاته.