فهرس الكتاب
وكم من حي غزاه الموت قبل أن يغزو إليه، اشتغل بدنياه وغرّته الأماني فلم يستفد من حياته إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى، ولم يفق إلا وهو في عسكر الموتى مرهون بعمله، ولسان حاله يقول: رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100،99] وما أكثر هؤلاء في هذا الزمان، أقوام هم في عداد الأحياء وهم في الحقيقة أموات.
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم *** وعاش قوم وهم في الناس أموات
فيا شابًا غرّه شبابه وأهلكه إعجابه، أما تعلم أن عاقبة الشباب هرم، أما علمت أن الموت بالمرصاد، والمنايا تتخطف الأكابر والأصاغر، والأباعد والأقارب، فما يدريك لعل الساعة الآتية ساعتك والمنية منيتك، فليت شعري ما الذي تتمناه وأنت في السكرات قد غشيتك العبرات. أأغنية تريد سماعها أم خمرة تدير كأسها، أم بغية تفجر بها، أم تريد ما قال ربك على لسان أولئك: رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100،99] .
ويا شيخًا أضاء الشيب طلعة محياه، قد استحيا الله منك فهل استحييت منه، قد جاءتك نذر ربك، فما عذرك من أولئك النذر إذا قيل لك: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ [غافر:37] ، أم أنت كما قال القائل:
شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب *** وضاع وقتك بين اللهو والعب
وشمس عمرك قد حان الغروب لها *** والفيء في الأفق الغربي لم يغب
كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت *** ورسل ربك قد وافتك في الطلب
وكيف سيكون لقاؤك لرسل ربك، وما ردك عند طلبهم لك، فوصيتي إليك أيها الشيخ أن تستعد للقاء ما دمت في البقاء، واربط حزام الإيمان لعلك تصل إلى الله بأمان.
ويا فتاة فتنت بحسن طلعتها وبهجتها وجمالها، فتنت بالثياب وموضتها، والشعور وقصتها، والقنوات وفضيحتها، والمجلات وخلاعتها، أيسرك أن تلقى ربك بهذا، أما تذكرت حديث الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، اللاتي لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها؟! أما تذكرت أن أكثر أهل النار من النساء فتتقي ذلك بالتوبة النصوح؟!
فشمري يا أختاه عن ساعد الجد، واعلمي أن الدنيا لا تدوم على حال، وأن الموت قد يحول بينك وبين الآمال، وفقني الله وإياك لصالح الأعمال.
وأخيرًا.. أخي رعاك الله قبل رحيل هذا القلم أذكرك بالرحيل الأعظم، واسأل نفسك بأي شيء تلقى ربك؟! ما جوابك حين تقف أمامه فيسألك: ( يا عبدي، ألم أصح جسدك، ألم أطعمك وأروك من الماء البارد ) ما حيلتك حين يقررك بذنوبك فتراها في صحيفتك لم تغادر منها شيئًا؟! فوالله إن ذل ذلك الموقف وخجله لهو عذاب في حد ذاته، فكيف بجهنم أعاذني الله وإياك؟ لكني أزفها إليك بشرى من لسان من لا ينطق عن الهوى حتى لا تقنط من رحمة ربك سبحانه، فإنه مع ذلك كله يضع كنفه على عبده فإذا قرره بذنوبه قال له: ( يا عبدي سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ) .
فهل لك أخي أن تراجع النفس قبل أن يضيق النفس، وتعود إلى ربك قبل أن يختم على قلبك: كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [ القيامة:26-30] .
وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أخي في الله أوصيك
فواز الرحيمي
دار الوطن
الحمد لله الذي خلق الخلق لعبادته، فمنهم من أطاعه ومنهم من تكبر على طاعته، وقد أعدّ للعصاة نارًا وأعدّ للمتقين جنته، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وجميع صحابته.. أما بعد..
أخي في الله لقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن نبينا قال: { لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه } .
فمن هذا المنطلق كان لزامًا أن أحب لك ما أحب لنفسي، وذلك بأن أقدم إليك هذه الوصايا التي أوصي بها نفسي أولًا، ثم أوصيك لأنك أخي في الله ثانيًا، ثم أوصي بها كل من قرأها من المسلمين ثالثًا، وأسأل الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها وسامعها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أخي في الله أوصيك أولًا بتقوى الله، ومن تقواه أن تخلص كل أعمالك له سبحانه وتعالى، فبالإخلاص يكون الخلاص من الشرك وشوائبه التي قد تحبط العمل، قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] ، وقال سبحانه وتعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] ، فالإخلاص شرط أساس لقبول العمل الصالح، ويتبعه شرط آخر وهو تجريد المتابعة لرسول الله قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران:31] ، فاحرص رعاك الله أن تجرد الإخلاص لله وحده، وأن تجرد المتابعة لنبيه محمد .