فهرس الكتاب
أخي في الله أوصيك ثانيًا ببر الوالدين والإحسان إليهما إن كانا على قيد الحياة، أو الدعاء لهم والترحم عليها إن كانا ميتين، فقد أمرنا الله بأعظم أمر وهو ألا نعبد إلا إياه، وقرن مع هذا الأمر الإحسان إلى الوالدين.. قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ، ونهانا أيضًا سبحانه وتعالى أن نقول لهما: أُفٍّ وذلك لما قاما من خدمة ورعاية لنا في وقت كنا في أمس الحاجة إلى الرعاية. فهذا النهي على هذا القول المكون من حرفين قد نزل في القرآن، قال سبحانه وتعالى: فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَ [الإسراء:23] فكيف بغيرها من الأقوال والأفعال.. ألا يدل ذلك على عظم شأنهما. فاحرص حفظني الله وإياك على ألا تسمعهم إلا قولًا معروفًا، ولا تريهم إلا عملًا مرضيًا حتى تنال أجر برّهما، ففي برّهما الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
أخي في الله أوصيك ثالثًا بالمحافظة على الصلوات وعدم تأخيرها عن وقتها. فيا ويل من قلل من شأنها ولم يعطها أي اهتمام، ألم تقرأ قول الحق سبحانه: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5،4] ، فهذا وعيد من فاطر السموات والأرض لمن سها فكيف بمن تركها والعياذ بالله؟! يقول الرسول: { العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر } فيا سوء حال من كفر لأنه مخلد في سقر.
فاحرص أخي ولا تركن إلى الكسل ففي أداء الصلاة نشاط للأبدان وراحة للوجدان، وردّ لكيد الشيطان، وذلك لمن أداها حق الأداء. فهي صلة بين العبد وربه، ففيها يناجيه ويتذلل بين يديه، وبذلك من العذاب ينجيه، وبالجنان يجزيه أليس هذا مناك؟!.. نعم هذا مناي ومناك، فهلا حرصنا على عدم تأخيرها وفقني الله وإياك.
أخي في الله أوصيك رابعًا بفعل الأوامر واجتناب النواهي وذلك فيما يحبه ويرضاه، فهذه هي العبودية الخاصة، فبقدر تحقيقك للعبودية يكون قربك من الله. وأكمل الخلق تحقيقًا للعبودية هو نبيّنا وقدوتنا وخير هاد لنا محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. فكن أخي من أتباعه الصادقين الذي بيّن الله لنا بعض أوصافهم في كتابه الكريم، يقول المولى عز وجل: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:17- 19] .
ويقول سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28] ، ويقول عز من قائل: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] ، ويقول جل وعلا: رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37] ، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا في زمرتهم.. وانتبه أخي إن كنت راجيًا خائفًا ألا تكون ممن اتخذ إلهه هواه، ولكن كن ممن قال عنه النبي: { لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به } [قال الترمذي: حديث حسن صحيح] .
أخي في الله أوصيك خامسًا بحفظ الفروج واللسان؛ فهما مفتاحان لكل الشرور، فمن ضمنهما ضمن له الرسول الجنة كما في الحديث: { من يضمن لي ما بين فكيه وفخذيه أضمن له الجنة } فاحرص رعاك الله على أن تكون من الوارثين الذين من أوصافهم وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:6،5] ، وإياك والاستهانة باللسان، يقول قدوتنا محمد: { إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا تهوي به في النار سبعين خريفًا } فاحرص ألا تسخط الله وأنت لا تدري.. وتجنب الكذب وإياك إن كنت مازحًا، والغيبة والنميمة والسخرية وغيرها مما يسخط الله، وعوّد لسانك على الكلام الحسن من ذكر الله أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ، وإن لم يكن ذلك { قل خيرًا أو اصمت } فهذا العلاج الأمثل أعانني الله وإياك عليه.
أخي في الله أوصيك سادسًا بالإكثار من الأعمال الصالحات فبها يثقل الميزان، فسوف يأتي عليك يوم تكون في حاجة إلى أن يثقل ميزانك، فاحرص أرشدك الله على ألا تضيع أوقاتك في المباحات فضلًا عن المحرمات، ولا تنظر إلى الدنيا بعين عجب فإن ما فيها سوف يزول، واجعل تفكيرك فيما أعدّ للمتقين من جنات وعيون، فالوقت يمضي وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت.
أخي في الله أوصيك سابعًا بالتفقه في الدين وذلك بطلب العلم الشرعي فالعلم كثير والجهل كثير والوقت يسير؛ فبالعلم تعبد الله على بصيرة، وتسلم من البدع الصغيرة والكبيرة، وأول ما يجب عليك تعلمه وتفقهه هو كلام الله، فلم ينزل من السماء عبثًا وإنما كي نعلمه ونعمل به، ففيه دليل العبد إلى ما يحبه المعبود ويرضاه، وعليك بأهل العلم الراسخين الموثوق من علمهم وأمانتهم الموقعين عن رب العالمين، فاحرص لنيله تجد سبيلًا. أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا، ونسأله أن يجعله حجة لنا لا حجة علينا.