فهرس الكتاب
أخي في الله أوصيك ثامنًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فكن راحمًا بالمذنبين مشفقًا على الغافلين؛ لأنهم اتبعوا خطوات الشيطان ولم يذوقوا حلاوة الإيمان، فأنت بهذا تدعوهم إلى سبيل المتقين، فهي وظيفة المرسلين وأفضلهم الذي أرسل رحمً للعالمين فكن مثله رحيمًا، واعلم أن من الحكمة إنكار المنكر كبيرًا كان أم صغيرًا.
وليس من الحكمة التساهل في المحرمات ولكن بالموعظة الحسنة وبالدعوة الصادقة، واعلم أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء لذلك فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22،21] وعليك في كل أمور الدعوة بالصبر كما أوصى لقمان ابنه يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17] ، نسأل الله أن يجعلنا من الداعين إلى سبيله إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
أخي في الله أوصيك تاسعًا بمصاحبة الأخيار الذين بمجالستهم يكثر زادك، ويقوى إيمانك، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر: الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، هؤلاء لا تعد عينك عنهم تريد الحياة الدنيا، وإياك إياك من مجالسة أهل الشر وإن كان منهم أخوك فلن تكسب منهم إلا الخسارة، وامتثل قول الحق سبحانه: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] .
ولا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه *** فكم من فاسق أردى مطيعًا حين آخاه
فاحرص على مصاحبة الأخيار ولا يزين لك الشيطان الأعذار، فهم كرائحة المسك ومن الذي يأنف من رائحة المسك، وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه.
أخي في الله أوصيك عاشرًا بالاستعداد للموت وسكرته، والقبر وضمّته. والموقف وشدته، والصراط وزلته. فكن أخي على استعداد تام في أي وقت كان فأمامك تلك الأهوال.. موت وسكرة كنت منها تحيد، وقبر وضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ، وموقف وشدة فيه يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] ، في ذلك الموقف الذي تجاهلنا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] ، في ذلك الموقف لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] ، في ذلك الموقف يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى [النازعات:35] .
أخي في الله تذكر أنك ستقف بين يدي الله، وستسأل عن كل عمل عملته صغيرًا كان أم كبيرًا، قال الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] ، سترى تلك الأعمال التي عملتها ولم تبال بنظر الله إليك إما إلى الجنة وما فيها من النعيم، وإما إلى النار وما فيها من العذاب المقيم، فعندها يندم المفرطون ويفرح المحسنون.. يا له من يوم عظيم يجب علينا أن نستعد له أيما استعداد وذلك بالتوبة النصوح والإكثار من الأعمال الصالحات.
نسأل الله أن يرزقنا حسن الخاتمة، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يجعل الجنة هي دارنا، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،، فالخذلان كما قال ابن القيّم أن يكلك الله إلى نفسك، نعوذ بالله من الخذلان.
وفي الختام لا تنس الدعاء لمن قام بجمع هذه الوصايا أو من سعى في إخراجها ونشرها.
وأسأل الله أن يثقل بهذا العمل ميزاني، وأن يغفر لي ولوالدي ولمن له حق علي من قرابة أو محبة في الله، وأسأله أن يغفر لمشايخي ولوالديهم ولجميع المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كلمات في السخاء
محمد بن ابراهيم الحمد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد:
فالسخاء ليس مقتصرًا على بذل المال فحسب، بل مفهومه أوسع، وصوره أعم وأشمل، ومن صور السخاء العديدة ما يلي:
1 -أن يكون للإنسان دَينٌ على آخر فيطرحه عنه، ويخلي ذمته منه وهو يستطيع الوصول إليه دون عناء ولا تعب.
2 -أن يستحق الإنسان أجرًا على عمل، فيترك الأجر من تلقاء نفسه.
3 -سعي الإنسان في قضاء حوائج الناس، وتنفيس كرباتهم.
4 -السخاوة بالجاه، بحيث يبذل في سبيل الخير والشفاعات الحسنة، من إحقاق الحق، ونصرة مظلوم، وإعانة ضعيف، ومشي مع الرجل إلى ذي سلطان، ونحو ذلك.
5 -السخاوة بالرياسة بحيث يحمل الإنسان سخاؤه على امتهان رياسته، والإيثار في سبيل قضاء حاجات الملتمس.
6 -سخاء الإنسان براحته وإجمام نفسه؛ فيجود بها تعبًا وكدًّا في مصلحة غيره.
7 -سخاوة الإنسان بوقته في سبيل نفع الناس أيًّا كان ذلك النفع.
8 -السخاء بالنصح والإرشاد.
9 -السخاء بالعلم وهو أفضل من السخاء بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال.
10 -السخاء بالعرض بحيث يسخو الإنسان بعرضه لمن نال منه، فيعفو ويصفح.
وفي هذا السخاء من سلامة الصدر، وراحة القلب، والتخلص من معاداة الخلق ما فيه.
11 -السخاء بالصبر، والاحتمال، والإغضاء، وهي مرتبة شريفة لا يقدر عليها إلا أصحاب النفوس الكبار.