الصفحة 1899 من 3812

وظني أن تلك المرأة قد ارعوت، وإن لم ترعوي فقد سطر لنا هذا الإمام درسًا في فقه الواقع، وتقدير ما في الوسع دون اندفاع.

ونحو هذا ما يذكر عن صلة ابن أَشْيَمْ من أمر الذي مر عليه وقد أسبل إزاره، فأراد الطلبة أو الناس من حوله أن يأخذوه بألسنتهم، فقال لهم دعوني أكفكموه.

ثم قال مخاطبًا الشاب: يا ابن أخي لي إليك حاجة!

قال: وما هي يا عم؟

قال: ترفع إزارك؟

قال: نعم، ونعمة عين.

ثم قال: أهذا كان أمثل أم أخذكم إياه بألسنتكم؟

والشاهد من هذه الأخبار أن الحكمة في الدعوة ولاسيما أيام الحج مطلوبة، ومن جملة الحكمة في تلك المشاعر أن يراعي الداعية أحوال الوافدين من أقطار الأرض، وتباين معارفهم وفهومهم وعاداتهم وما ألفوه، وأن يراعي واقعه الجديد على أرض المناسك، ويعرف الفرق بين ما يسعه فيها تلك الأيام المزدحمة، وما يسعه في غيرها، وما بوسعه هناك في تلك الأيام وما ليس بوسعه، فيدعو إلى ما ينبغي أن يدعو إليه، كما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.

وتلك هي الحكمة، وقد قال - سبحانه:"يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [البقرة: 269] ، جعلني الله وإياك من أهلها، ووفقني وإياك لدعوة من ضل إلى الهدى، والتبصير بنور الله أهل العمى، مع الصبر منهم على الأذى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خير من حج وثج وعج ودعا، وعلى صحبه ومن لآثارهم اقتفى.

اللهم أعط منفقًا خلفًا

محمد بن عبدالله الحمود

دار ابن خزيمة

الحمد لله الكريم ذو الفضل والإحسان والصلاة والسلام على أجود الناس وأبرهم. أما بعد:

فلقد رغب الله تعالى عباده المؤمنين في البذل والإنفاق ووعدهم على ذلك أجرًا عظيمًا وبيّن لهم فضل عملهم هذا فقال تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] .

وقال تعالى: مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:245] . والإنفاق في سبيل الله من أفضل الأعمال وأزكاها، فهو يزكي النفس ويطهّرها من رذائل الأنانية المقيتة والأثرة القبيحة، والشح الذميم، وبهذه التزكية يرتقي الإنسان في معارج الكمال والعطاء ولذلك كان العطاء من صفات الله عز وجل.

وهو أيضًا تطهير للنفس من العبودية لغير الله تعالى، وإرتقاء لها واستعلاء ونجاة من البخل الذي يهبط بالعبد إلى مدارك العبودية للدينار والدرهم وصدق الله العظيم إذ يقول: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا [التوبة:103] . والإنفاق في سبيل الله هو في الحقيقة حفظ للمال وزيادة له وليس نقصانًا له واتلافًا كما قد يظن البعض لقوله تعالى: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] ولقوله: { ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكًا تلفًا } [متفق عليه] .

والإنفاق في سبيل الله جهاد عظيم قدمه الله على الجهاد النفسي في القرآن ما يقارب 9 مرات وذلك لأهميته العظمى.

والمال لا تظهر فائدته إلا بالإنفاق في المصالح النافعة، أما كنزه وجمعه وعدّه فهو قتل له، وحرمان لثمراته من أن تظهر ولخيراته من أن تزهر، ولطاقاته من أن تتحرك وتنتج، والممسكون معطلون ومتلفون، ومحرومون وجمّاعون لغيرهم. روى البخاري ومسلم عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: { هم الأخسرون ورب الكعبة } ، فقلت: فداك أبي وأمي من هم؟ قال: { هم الأكثرون أموالًا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم } .

ورأى الأحنف بن قيس في يد رجل درهمًا، فقال: ( لمن هذا؟ ) قال: لي، قال: ( ليس هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر ) ، وتمثل بقول الشاعر:

أنت للمال إذا أمسكته *** وإذا أنفقته فالمال لك

يقول ابن القيّم رحمه الله في شأن الصدقة: ( إن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء حتى ولو كانت من فاجر أو ظالم بل من كافر، فإن الله يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء ) أهـ.

فينبغي للمسلم أن ينفق ويتصدق ولا يمسك عن الإنفاق والبذل، وليحرص على أن يكون عمله هذا خالصًا لوجه الله تعالى لا رياءً ولا سمعةً أو طمعًا بمنافع دنيوية من سمعة وثناء، وأن لا يُتبع نفقته بالمن والأذى لمن أعطاه وتصدق عليه. لأن الإنسان لا ينفق لأحد إنما ينفق لنفسه هو، فمن يبخل فإنما يبخل على نفسه وإن أنفق فعلى نفسه وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء [محمد:38] ولا يمسسك الإنسان ويبخل خشية الفقر فإن الله تعالى قد تكفل لمن أنفق في سبيله بالخلف. يقول تعالى: وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] ويقول: { ما نقصت صدقة من مال. بل تزده. بل تزده } [رواه مسلم] .

أنفق ولا تخش إقلالًا فقد قسمت *** على العباد من الرحمن أرزاق

لا ينفع البخل مع دنيًا مولية *** ولا يضر مع الإقبال إنفاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت