الصفحة 1898 من 3812

فإن أهل التقوى هم الأبطال حقًا، وأخيرا، وليس آخرًا.. فلا يزال أحدنا عبدًا عند سيده، ومولاه، والسيد هو الله، والله يقول للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ [النساء:131] .

والرسول يوصينا فيقول: { اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم } [رواه الترمذي وأحمد] .

أيها المبارك: بعد هذا كله.. أسألك سؤالًا واحدًا فقط.

هل عرفت كيف تكون بطلًا؟

أترك لك الجواب.. نعم أتركه لك أنت.. وفي هذه اللحظات أرفع لك، ولك قارئ الأعلام البيضاء.. معلنا الاستسلام أمام هذا الموضوع.

فهو وربي موضوع هام للغاية جدًا، وليس لمثلي أن يخوض فيه، ولكنها وصية مشفق، ونصيحة محب لك يحب لك الخير كما يحبه لنفسه.

إي والذي برأ النسمة، وفلق الحبة، ولكن الموضوع طويل جدّ طويل.. أكتفي منه بعلالة كعلالة الظمآن، وإلماحة كإلماحة المنذر المحذر..

تم المقصود فيما مضى وتقدم، وأختم الكلام بقول الأول:

وغير تقي يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو سقيم

تمّ ما تمّ، وكتب ما تقدم على عجل بين، وخلل واضح، راجيًا من الله الستر والعافية في الدارين، وأن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يبارك في أعمارنا وأوقاتنا وأعمالنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والمتابعة لسيد ولد آدم محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، وأن يحشرنا وإياكم في زمرة المتقين، والله أعلى وأعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

من فقه الدعوة في الحج

أ. د. ناصر بن سليمان العمر

الحمد لله وكفى، ثم أما بعد:

فإن الحج ركن من أركان الدين، وأحد المباني الأربعة التي اختلف قول بعض السلف في تكفير تاركها، ومما أثر ما روى عن عمر - رضي الله عنه - لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.

ولهذا وغيره- عظمت مكانة الحج في النفوس، وتوافد الناس من أقطارها لأداء النسك، وربما كان فيهم المقصر المبالغ في التفريط، إلاّ أنه يرى الحج حتم عليه لازم، وسبيل لابد أن يكون له سالك، ومن طريف ما يذكر عن بعض من عرف بفسق أنه عندما أكثر عليه بعضهم في اللوم والتأنيب قال:

إذا صليت خمسًا كل يوم * * * فإن الله يغفر لي فسوقي

ولم أشرك برب الناس شيئًا * * * فقد أمسكت بالدين الوثيق

وجاهدت العدو ونلت مالًا * * * يبلغني إلى البيت العتيق

فهذا الدين ليس به خفاء * * * دعوني من بنيات الطريق

وهذا على ما فيه من خطل يدلك على مكانة الحج في نفوس الناس ولاسيما من بعدت ديارهم أو نأت آثارهم في الغابرين المعظمين لشعائر الدين وشرائعه.

وإذا كانت الحال كذلك فمن البديهي أن ترى - أيها الداعية الموفق- في موقف الحج، وقد وفدت مئات الألوف المؤلفة من بلاد المسلمين وأصقاع الأرض الأخرى ما لا ترضاه من معاص وآثام وسوء تصرفات.

ومن الخطأ أن تظن نفسك في رحلة إلى الرحاب الطاهرة مع بعض الطيبين الموفقين، الذين قد يصبرون على الأذى، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وإذا لم تتنبه لهذا فربما صدمت، وربما أسأت من حيث أردت أن تصلح.

وإذا تفطنت لهذا فإن مما ينبغي أن يعيه الداعية المصلح، أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، إذا جابه بعض منكرات الحجيج هو أن الله ما كلف نفسًا فوق طاقتها، أو ما آتاها، ولذا فإن عليه أن يحسن قراءة الواقع -الذي ربما ارتبك عن واقع تلك البقاع في غير المواسم- وأن يعرف حدود قدرته، وما في إمكانه أن يغيره في ذلك الموقف ثم يتصرف في إطار تلك الحدود، بالأسلوب الحكيم الأمثل الذي ربما يكفل تغيرًا للمنكر، أو يحقق أعلى المكاسب، ويدرأ أغلب المفاسد، وعندها يكون قد أدى الذي عليه (لا يكلف الله نفسًا إلاّ وسعها) ، وإن لم يزل المنكر. أما إذا اندفع الداعية أو المصلح أو المنكر وراء عاطفته التي تعدت حدود قدرته فربما أساء وظلم وربما استطال الشر ولم يغير من الواقع شيئًا، وتلك بلية قد تعرض لبعض الغيورين في غير الموسم، فينسى أحدهم أن الله لا يكلف نفسًا إلاّ وسعها، فيركب الصعب ويترك الذلول لتغير واقعة فيبسل نفسه دون أن يصنع شيئًا وهذا القيد الأخير ينبغي أن يلحظ- وقد كان الأجدر به أن يتدرج شيئًا فشيئًا أو يعد للأمر حتى يطيقه ولكنه الاستعجال.

وعودًا على موضوع الحج فإن هذا الخطأ قد يكثر في المواسم دون غيره لذهول بعضهم عن التغير الذي طرأ على واقعه، أو على ما في وسعه، والداعية الحكيم هو من راعى هذا الواقع المؤقت وعرف الفرق بينه وبين غيره، ثم انتهج السبيل الأحكم لأجل الإصلاح.

يذكرون عن أبي حازم وأظنه الإمام سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمار المدني القاص الزاهد أنه دخل الطواف ذات يوم فإذا هو بامرأة سافرة عن وجهها تطوف، وقد فتنت بعض الناس بحسن وجهها، فقال: يا هذه ألا تخمرين وجهك? فقالت: يا أبا حازم، إنا من اللواتي يقول فيهن الشاعر:

أماطت قناع الخز عن حر وجهها * * * وأبدت من الخدين بردًا مهلهلا

من اللائي لم يحججن تبغين ريبة * * * ولكن ليقتلن البريء المغفلا

وترمي بعينيها القلوب إذا بدت * * * لها نظر لم يخط للحي مقتلا

فقال أبو حازم: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار.

فبلغ ذلك سعيد بن المسيب، وهو من شيوخ أبي حازم، فقال: رحم الله أبا حازم! لو كان من عباد كذا وسمى بلدًا (العراق) ، لقال لها: اغربي يا عدوة الله! ولكنه ظرف نساك الحجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت