الصفحة 1914 من 3812

هذه الجدلية وهذه الحيرة التي قد تصيب الكثيرين ممن يريدون أن ينخرطوا في ميدان الدعوة، تناولها معالي الدكتور عبد العزيز بين محمد آل عبد المنعم - أمين عام هيئة كبار العلماء بالمملكة في محاضرة قيمة له ألقاها بجامع الملك عبد العزيز بحي أم الحمام بالرياض، وجاءت بعنوان: (مقاصد الشريعة في الدعوة إلى الله) وقد بين معاليه حاجة الناس الشديدة إلى الدعوة إلى الله خصوصا في هذا العصر الذي انتشرت فيه الدعوات الباطلة والمذاهب الهدامة والأفكار المنحرفة، وكذلك لحاجة الناس إلى هذا الدين الخاتم الذي لن يصل إلى الناس إلا بالدعوة والإبلاغ.

وأكد الدكتور آل عبد المنعم أن الدعوة إلى الله واجبة على كل من يقدر عليها وكل من علم بما يدعو إليه فليدع، فالدعوة إذن أمر واجب فكلنا داع وكلنا مدعو..

حاجة الناس إلى الدعوة

تحدث فضيلة الدكتور عبد العزيز آل عبد المنعم في البداية عن أهمية الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان، وبين فضيلته أن الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى دينه وإلى توحيده - سبحانه وتعالى - والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له، الدعوة إلى الله هي دعوة إلى جميع شرائع الإسلام فهذه هي رسالة أنبياء الله ورسله وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد كانت حياته كلها دعوة، مكث في مكة 13 سنة يدعو إلى الله ثم هاجر إلى المدينة فاستمر في الدعوة إلى الله.

الدعوة إذن هي دعوة الخلق جميعا وحكمها الوجوب، فالدعوة إلى الله واجبة على كل من يقدر عليها، فكل واحد منا هو داع ومدعو فمن كان قادرا ومستطيعا وتوافرت فيه صفات الداعية وعلم بما يدعو إليه فليدع إلى الله، لأن الناس كلهم بحاجة إلى الدعوة رجالا ونساء، كبار وصغار، في الحاضرة وفي البادية، مسلمين وغير مسلمين، كل الناس يحتاجون إلى الدعوة في كل زمان ومكان ونشر الإسلام بينهم وإفشاء تعاليمه وتعليم مبادئه وقيمه وأخلاقه، الناس في حاجة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

إذن الدعوة أمر واجب، وكلنا داع وكلنا مدعو، فمن علم بما يدعو إليه فليدع على علم وبصيرة امتثالا لقول الله {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: 108] فأتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاة وهم مقتدون بإمام الدعاة - عليه الصلاة والسلام -، ولكن بشرط العلم بما يدعو إليه، فالدعوة لا بد أن تكون على بصيرة وعلى علم وعلى فقه، لأن الجهل يضر بصاحبه ويضر بالآخرين، فالناس كلهم بحاجة إلى الفقه في دين الله وبحاجة إلى من ينبههم إلى أوامر الله، وأن يدعوهم إليها، وأهم ذلك هو توحيد الله وعبادة الله وإخلاص هذه العبادة لله وحده لا شريك له..

قبل أن تكون داعيا

ومن الحديث عن أهمية الدعوة ووجوبها على من علم وفقه انتقل فضيلة الدكتور آل عبدالمنعم للحديث عن صفات الداعية وبيانها، فمن عرف هذه الصفات حاول أن يتصف بها، ومن لم يستطع فالأفضل له وللمدعوين أن يبتعد عن ميدان الدعوة، ومما ذكره فضيلته من صفات الداعية:

-العلم بما يدعو إليه الداعية: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108] ، والعلم هو علم بكتاب الله وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وبأحكام الله ومعرفة الأدلة وبقراءة القرآن، فالداعي لا بد أن يكون عالما بالأحكام الشرعية التي يحتاجها دائما المدعوون وليعلم الداعية أن الدعوة على بصيرة هي التي تؤتي ثمارها ويكون الداعية فيها مأجورا، أما الدعوة عن جهل أو عن عدم علم فإن إفسادها أكثر من إصلاحه.

-ومن صفات الداعية إلى الله الحكمة {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125] ، فالدعوة بالحكمة تعني أن ينزل الداعية كلامه ودعوته بحسب حال المدعو وواقعه، فكل إنسان له واقعه وحاله، فهناك من يحتاج إلى الشيء اليسير من الدعوة وهناك من يحتاج إلى الموعظة الحسنة وهناك من يحتاج إلى المجادلة وهناك من يحتاج إلى إيضاح الحق بدليله، كما أن أفهام الناس ومشاربهم مختلفة.. فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، كذلك المدعو تختلف دعوته بحسب سنه فالطفل الذي يدرك له وضعه في النصح والتعليم ومخاطبته على قدر عقله واستيعابه، والشاب له طريقته في المخاطبة بأوامر الله والشيخ والعجوز يحتاجون إلى الرفق وإعطائهم جرعات يسيرة من الدعوة والنصيحة التي تفيدهم في واقعهم.

فعلى الداعية أن يعرف متى ومن يدعو ومتى ومن يجادل ومتى ومن يعظ، وعلى قدر اختياره الصحيح يكون نجاح الداعية في مهمته.

-ومن الصفات المطلوبة في الداعية أن يكون قدوة لغيره وعاملا بما يدعو إليه، فالداعية لا يتحدث ولا يتكلم في الناس فقط، بل لا بد أن يعمل الصالحات ويسارع في الخيرات ويسبق إلى ذلك حتى يقتدي به الناس فيكون داعيا بالقدوة إلى جانب أنه داعيا بالكلمة {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} [فصلت: 33] فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أئمة الدعاة، وهم قدوة الدعاة وخاتمهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان أخشى الناس لله وأتقى الناس لله وأعرفهم بالله وأعبدهم لله فهو القدوة وهو الأسوة، فالداعية عليه أن يتحلى بجميع صفات الخير التي تجعل الناس يقتدون به ويقبلون إليه ويأخذون عنه ولا ينبغي للداعية أن يقول ما لا يفعل لأن ذلك يأتي بنتائج عكسية على الدعوة ويؤثر في مسارها، وقد حذر ربنا - جل وعلا - من القول الذي لا يتوافق مع الفعل: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 2 - 3] فلا تأمر بشيء وأنت لا تأتيه، ولا تنهى عن شيء وأنت تأتيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت