الصفحة 1915 من 3812

الرفق واللين أيها الدعاة

تشهد ساحة الدعوة إلى الله مواقف من بعض الدعاة تتسبب بكل أسف في صرف الناس عن الدعوة وعدم الثقة بالدعاة، ومن هذه المواقف العنف في الدعوة والشدة مع الناس وأحيانا الزجر والتوبيخ، ولهذا ركز فضيلة الدكتور عبد العزيز آل عبد المنعم أمين عام هيئة كبار العلماء في محاضرته على هذا الجانب، وشدد على أهمية الرفق واللين في الدعوة إلى الله خصوصا وفي الأمور كلها عامة، مذكرا بقوله - تعالى - مخاطبا نبيه - صلى الله عليه وسلم: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] ، النبي - صلى الله عليه وسلم - كما وصفه ربه كان رحيما محبا للخير لأمته ولم يكن فظا ولا غليظا؛ ولهذا اجتمعت القلوب حوله وأحبته واتبعت دعوته وقبلها السعداء ورفضها الأشقياء، ويقول - جل وعلا: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] ، وبهذه الرحمة والحرص على الخير على الأمة وحب الخير للناس وسعيه المستمر على هداية الناس؛ بهذا وغيره رسم لنا منهج الدعوة إلى الله)، رسم النبي - صلى الله عليه وسلم - المنهج قولا وعملا، فعندما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا - رضي الله عنه - إلى يهود خيبر، أرسله بالرحمة وحب الخير لهداية الناس فلم يأمره بقتالهم وإنما قال له: (انفذ على رسلك - أي اذهب برفق وسكينة- حتى تنزل بساحتهم ثم أدعهم إلى الإسلام فلئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم) .

هذا هو منهج الدعوة الذي يستفاد منه الرفق واللين في الدعوة، فليس الجهاد في الإسلام هو القتال لذاته فالقتال ليس مقصودا وليس غنيمة المال مقصودة وليس السبي مقصودا، هذه الأمور تأتي متأخرة إنما المقصود هو هداية البشر ودعوة الناس إلى الله، وحينما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل ولأبي موسى الأشعري حينما بعثهم إلى اليمن قال (إنكم تأتون أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. - صلى الله عليه وسلم - الحديث.

دروس للذين خرجوا على الأمة

ينبغي للدعاة ولطلبة العلم ولمن أراد أن ينخرط في ميدان الدعوة أن يدرس منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله، الرسول بعث رسله إلى غير المسلمين ولم يأمرهم بقتالهم ولا جهادهم، وإنما أمرهم أن يدعوهم إلى الله بالرفق واللين، وكان حريا بأولئك الذين لم يفهموا دعوة النبي ومنهجه وحملوا السلاح في وجه الناس وخرجوا على الأمة وقاتلوا حتى إخوانا لهم وسفكوا دماءهم، كان حريا بهؤلاء أن يعودوا إلى سنة نبيهم وسيرته ليتعرفوا على منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع الناس ودعوتهم إلى الخير.

لقد أبى مثل هؤلاء منهج النبي وحملوا السلاح على المسلمين والمعاهدين وسفكوا دماءهم بغير هدى وبغير بينة، إن مخالفة سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ضلال يؤدي إلى ضلال، وانحراف يؤدي إلى فساد وفتن.

لقد مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشرة سنة مع الكفار يدعوهم إلى الله وعبادته وحده وترك عبادة الأصنام ولم يسلم معه إلا القليل وآذاه الكفار وآذوا أتباعه، ولم يعرف عنه أنه أمر أتباعه بقتل الكفار ولا بقتالهم ولا بإتلاف مال أحد، بل كان يدعوهم وصبر واحتمل أذاهم، وكان يرجو أن يهدي الله منهم من يشاء وأن ينقذهم من النار، ولما أتاه جبريل بعد أن اشتد الأذى وضاقت عليه الأرض بما رحبت وبعد أن عرض دعوته على أهل مكة وأهل الطائف فرفضوها جاءه جبريل وقال: إن الله قد أمر الملائكة أن يكونوا في خدمتك فيما تريد، فهل تطلب أن يطبق الله أخشبي مكة على أهلها؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا: أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيء..

هذا هو الإسلام وهذا هو منهج الدعوة الإسلامية الذي رسمه لنا إمام الدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

الدعوة ميادينها واسعة

ويبين فضيلة الدكتور عبد العزيز آل عبد المنعم أن الدعوة ميادينها واسعة ولا يحدها زمان ولا مكان، فهي رحبة واسعة ووسائلها كثيرة، فلا ينبغي لمن أراد أن يدعو إلى الله أن يعدم مدعوين ولا أن يعدم مكانا، ولا أن يعدم وسيلة، تستطيع أن تدعو في المسجد وفي البيت بين أهلك وأولادك وفي العمل بين زملائك وفي الشارع وفي السيارة وفي الأسواق وفي المقبرة عند دفن الميت، وفي كل مكان وحينما حللت عليك أن تدعو إلى الله بكلمة أو بنصيحة أو بسلوك طيب ومظهر طيب تستطيع أن تدعو إلى الله بالنصيحة وبالأمر بمعروف والنهي عن منكر وبالدلالة على الخير والتحذير من الشر ومن البدع.. تستطيع أن تدعو إلى الله عن طريق الخطبة والموعظة وعن طريق المحاضرات، بل تعلمك ومعرفتك لدينك هو جزء من الدعوة إلى الله فإذا حصلت على هذا الخير أفدت نفسك وعليك أن تفيد أهلك في البيت وتفيد إخوانك المسلمين.

الداعية إلى الله عليه أن يتسلح بالعلم عن طريق الدراسة في الجامعات وعن طريق المحاضرات والندوات ومجالسة العلماء وعن طريق الدروس العلمية وحلقات العلم وعن طريق قراءة كتاب الله تلاوة وتفهما لمعانيه ومراجعة كتب التفسير فيه، ودراسة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة معانيها وعن طريق قراءة كتب أهل العلم.. فينبغي للمسلم أن يكون حريصا على نفع نفسه بالتعلم والعلم والالتزام بأوامره وحريصا على نفع أهل بيته بدعوتهم ونصحهم وتعليمهم، وحريصا على نفع إخوانه المسلمين بنصحهم ودعوتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

لا يأس مع الدعوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت