الصفحة 1929 من 3812

فاحرص رعاك الله على الإكثار من تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وسل ربك أن تكون تلاوتك له سببًا في شرح صدرك، فإن العبد متى ما أقبل على ربه بصدق؛ فتح الله عليه من عظيم بركاته يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57] ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء:82] .

السبب الثامن: أذكار الصباح والمساء

المداومة على الأذكار الصباحية والمسائية وأذكار النوم، وما يتبع ذلك من أذكار اليوم والليلة، فتلك الأذكار تحصن العبد المسلم بفضل الله تعالى من شر شياطين الجن والإنس، وتزيد العبد قوةً حسيّة ومعنوية إذا قالها مستشعرًا لمعانيها موقنًا بثمارها ونتاجها، ولتحرص رعاك الله على تلك الأذكار المتأكدة فيمن اعتراهم همّ أو غم، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله يقول عند الكرب: { لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم } ، وكذا ما أخرجه البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي كان يكثر من قوله: { اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل... } إلى آخر الحديث.

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي إذا نزل به هم أو غم قال: { يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث } [أخرجه الحاكم] .

وعن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال: { دعوات المكروب: ( اللهم رحمتك أرجوا فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأنه كله لا إله إلا أنت ) } [أخرجه أبو داود وابن حيان] .

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي: { ما أصاب عبدًا هم ولا حزن، فقال: ( اللهن إني عبدك وابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب غمي ) ، إلا ذهب الله حزنه وهمّه، وأبدله مكانه فرحًا } [أخرجه أحمد في مسنده وابن حيان في صحيحه] ، إلى غير ذلك مما ورد من الأذكار في هذا الباب ونحوه.

اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا ويسر أمورنا، وهيء لنا من أمرنا رشدًا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

السقف والمرحلية

محمد مختار مصطفى المقرئ

الدعوة إلى الله - عز وجل - تنتظم من ركنين اثنين: المنهج والداعية (على تفاوت فيهما من منهج إلى منهج، ومن داعية إلى داعية) ، ولا ريب أنه لا يُرتقى بسقف التدين الذي يشاد من هذين الركنين إلا بحسب رقيهما وقربها من الأصل الأول.

فكلما اقترب المنهج من الكتاب والسنة، وكلما تمثل الداعية ما كان عليه سلفنا الصالح كلما ارتفع السقف ودنى من مرتبة القدوة الأولى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29) .

ذلك أن الجذور كلما أوغلت في تربة الأصل، وسقيت من معين أكثر صفاءً، ورعيت كما رعيت البذرة الأولى؛ كلما امتدت فروعها باسقات، لها طلع نضيد، فإذا النضج أتم وأكمل وأنفع.. إنه النضج الوافي، الذي لا يتم إلا بحسب قوة الأنموذج والمثال.. أصالة وصحة وتميزًا وعطاء...

ويقولون: إن الداعية وإن لم يستكمل الفهم الصحيح، ولم يتمثل الأنموذج الذي يدعو إليه، بل واختزل دعوته إلى الإسلام في بعض جوانبه... إلا أنه إنما يغطي ـ أو يمثل ـ مرحلة ابتدائية أو أساسية في مسيرة الدعوة، وعلى الآخرين أن يستكملوا معه بقية المراحل والأشواط ما شاءوا (!!) .

وإنما يصح هذا لو كانت دعوته تمثل مرحلة من منهج متكامل متعدد المراحل، أما وكل منهجه محصور في مرحلته تلك، فسيبقى منهجه ذاك هو السقف الذي لا سقف فوقه، فلا يرى الملتزم به إلا أنه التصور النهائي، والأنموذج الكامل، فهو يلتزم به على هذا الأساس، لأنه ما قبل به أصلًا إلا لكونه بهذا الحد (المختزل) والذي لا يصطدم مع ميوله وأهوائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت