الصفحة 1930 من 3812

ولقد يتفق أن بعض من يقنع بتلك المناهج المختزلة أو الجزئية يغادرها إلى مناهج أكثر نضجًا واكتمالًا وقربًا من الفهم الصحيح، وهذا ـ على قلة فاعليه ـ لا يفعله إلا أحد اثنين: الأول: من يغادره لا على أنه مرحلة تسلمه للتي تليها، ولكن حيث يتبين له أنه منهج قاصر وتصور مختزل عن الدين والالتزام. وإذًا يكون الدور الإيجابي لهذه المناهج والتصورات ـ من الناحية العملية ـ كونها ربما تهيؤ أو تقرب البعض لالتزام المنهج الأكمل، وهو أثر رأيناه ـ في واقع الأمر ـ محدودًا نادر الحدوث. والثاني: من يغادرها انتكاسًا عنها، وافتتانًا بنقيضها، إذ إن تلك المناهج القاصرة تبقي أتباعها على صلة بكثير من المظاهر والأنماط والعادات غير الشرعية، لا لاعتبارات مرحلية، بل لأنها منهجية ثابتة في أصول المنهج ذاته، تغلب استهداف الـ"كم"على الـ"كيف"، وتبتغي ـ بالتساهل ـ الاستكثار من الأتباع.

أما الكثير الغالب ممن تستهويهم تلك المناهج القاصرة؛ فإنهم ـ كما قدمت ـ إنما يرتضونها لاعتبار أنها تمثل التصور النهائي، وهذا تحديدًا هو سر إقبالهم عليها واحتفائهم بها، ولو أنها عرضت عليهم كمرحلة واحدة من منهج تطوري متتابع المراحل ما قبلوا بها.

إن الداعية إلى الله حينما لا يكون على مستوى رقي المنهج الإسلامي، فهما وامتثالًا، إنما يطرح بذلك أنموذجًا بديلًا، يمنح الناس حرية الاختيار بينه وبين الأنموذج الصحيح للدين، وفي أزمنة غلبة المادية والشهوة من الطبيعي أن يؤثر الناس ما يوسع لهم دائرة الفعل، ويضيق دائرة الترك.

إنني لم أزل أسأل سؤالًا ربما أمدتنا الإجابة عنه بما يبدد الضبابية التي غرتنا بأمنيات لا نراها أنجزت في تجارب التاريخ ولا في واقع الأمر، ومن ثم استغرقتنا فيما نتوهم أنه مقدمات لها... أسأل: هل وقع في تاريخنا المديد أن أصلح الله أمر هذه الأمة مرة بغير ما أصلح به أولها؟

ودعني أصيغ السؤال صياغة أخرى أكثر ملاصقة للواقع: هل استردت الأمة مجدها (في حطين أو في عين جالوت، أو غيرهما) لأنها اتبعت منهج التساهل في الأحكام، واستمرأت الأخذ بالرخص؟

نعم.. ربما يكثر الأتباع... ولكن متى كانت الكثرة معيار نجاح أو برهان إصابة؟ وهذا كتاب ربنا ينطق فينا بذم الكثرة.. قال - تعالى: (لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) (البقرة: 243) ، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 187) ، (وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 17) ، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (الأنعام: 111) ، (مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران: 110) ، (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (الأنعام: 116) ، (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) (الأعراف: 102) ، (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) (يوسف: 16) . والآيات في ذلك كثيرة... فلا يغرنك كثرة السالكين؛ فإن العبرة بالوصول، ونيل المأمول..

وكذلك امتدح القرآن القلة حيث كانت خيرة في كيفها؛ قال - تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13) ، وقال: (إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) (ص: 24) ، وقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) (الواقعة: 10ــ 14) .

فالمعول على"كيف"تتحقق به مقاصد الشريعة، ولا ريب أنه لا أتم ولا أكمل ولا أرقى من"كيف"صاغه المنهج القرآني كاملًا بكماله.. (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً) (البقرة: 138) ، والعبرة بـ"كيف"تتحقق فيه معالم الرسالة وخصائصها، ولا ريب أنه لا أتم ولا أكمل ولا أرقى من هدي وسمت وشمائل النبي - صلى الله عليه وسلم -.."وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها" (1) .

وماذا تغني الكثرة إن لم تكن بالـ"كيف"المنشود؟ أخرج أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قصعتها". فَقَالَ قَائل: وَمِنْ قلة نَحنُ يومئذ؟ قَالَ:"بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ". فَقَالَ قَائل: يَا رسولَ الله! وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ:"حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ" (2) .

والحكيم لا يشري رأس ماله الأصيل بكثرة زائفة.. وكيف يستقيم أن ننتصر للمنهج بمخالفة المنهج؟!

ولذلك فإن المسلم تلقاه متميزًا في الناس بـ"كيفيته"الخاصة وسمته المتميز، مهما أبدى له وهمه، وأغراه ـ بغرور ـ فهمه.. أن ذوبانه في الآخر من شأنه أن يجذب ذلك الآخر إلى الإسلام، أو الالتزام..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت