الصفحة 1931 من 3812

ألا ترى كيف حض الشارع الحكيم على التميز، وأوصى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه؟ قال:"إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شامة فِي النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلاَ التَّفَحُّشَ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَتَّى تَكُونُوا كالشامة فِي النَّاسِ (3) .

وكذلك وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - أتباعه بين الناس؛ فقال:"مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كالشعرة السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ" (4) .

وبتلك القلة كانت الأمة أمة، وكان مجدها، وقامت نهضتها.. كان الـ"كيف"هو الفيصل والمعيار والميزان، وبه كان الرجحان، فكان التميز عن الآخر ـ لا الذوبان ـ هو سر نهضتنا، وهو ما لا يحصل إلا بتمثل منهج الله - تعالى -بغير تجزيء ولا تبعيض، أو اختزال يحصر الإسلام في بعض شرائعه أو شعائره.. قال - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة: 208) .

وأعجب ما في هؤلاء المختزلين للدين المستكثرين من الأتباع: أنهم ينكرون على مخالفين لهم تعجلهم قطف الثمار، وما تغليبهم الـ"كم"على"الكيف"إلا صورة من صور التَّعجلِ نفسه..

يا أمة القرآن..

إنه لن يحلق في آفاق غايات أمتنا من لم يبرح مشدودًا إلى الأرض بحبال وأوتاد، تصله بمظاهر الجاهليات سلوكيات وعادات.. من لم يزل منبهرًا بالآخر في أنماط حياته، مفتونًا بالغير في خصوصيات ثقافته..

هوامش وإحالات:

(1) أخرجه البخاري ـ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ـ (3) باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ح/7363) بلفظ:"وأحسن الهدي"، ومسلم ـ كتاب الجمعة ـ (14) باب تخفيف الصلاة والجمعة: (ح/42) ، وغيرهما.

(2) أبو داود ـ كتاب الملاحم ـ (5) باب تداعي الأمم على الإسلام: (ح/4299) ، وأخرجه أحمد: (ح/21363) .

(3) أخرجه أبو داود في سننه ـ كتاب اللباس ـ (27) باب ما جاء في إسبال الإزار: (ح/4091) ، وأخرجه أحمد: (ح/16966) .

(4) أخرجه البخاري ـ كتاب أحاديث الأنبياء (01) باب قصة يأجوج ومأجوج: (ح/3383) ، ومسلم ـ كتاب الإيمان ـ (97) باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة: (ح/553) ، و (98) باب قوله:"يقول الله لآدم: أخرج بعث النار...: (ح/554) ."

بر الوالدين

عبدالرحمن بن عبدالكريم العبيد

دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع

اهتم الإسلام ببر الوالدين والإحسان إليهما والعناية بهما، وهو بذلك يسبق النظم المستحدثة في الغرب مثل: ( رعاية الشيخوخة، ورعاية الأمومة والمسنين ) حيث جاء بأوامر صريحة تلزم المؤمن ببر والديه وطاعتهما قال تعالى موصيا عباده: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف:15] ، وقرن برهما بالأمر بعبادته في كثير من الآيات؛ برهان ذلك قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ، وقوله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36] ، وجاء ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد توحيده عز وجل لبيان قدرهما وعظم حقهما ووجوب برهما. قال القرطبي رحمه الله في قوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151] ، أي: ( برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أوامرهما ) .

أنواع البر:

أنواع بر الوالدين كثيرة بحسب الحال وحسب الحاجة ومنها:

1 -فعل الخير وإتمام الصلة وحسن الصحبة، وهو في حق الوالدين من أوجب الواجبات. وقد جاء الإحسان في الآيات السابقة بصيغة التنكير مما يدل على أنه عام يشمل الإحسان في القول والعمل والأخذ والعطاء والأمر والنهي، وهو عام مطلق يدخل تحته ما يرضي الإبن وما لا يرضيه إلا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

2 -لا ينبغي للإبن أن يتضجر منهما ولو بكلمة أف بل يجب الخضوع لأمرهما، وخفض الجناح لهما، ومعاملتها باللطف والتوقير وعدم الترفع عليهما.

3 -عدم رفع الصوت عليهما أو مقاطعتهما في الكلام، وعدم مجادلتهما والكذب عليهما، وعدم إزعاجهما إذا كانا نائمين، وإشعارهما بالذل لهما، وتقديمهما في الكلام والمشي إحترامًا لهما وإجلالًا لقدرهما.

4 -شكرهما الذي جاء مقرونًا بشكر الله والدعاء لهما لقوله تعالى: وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24] . وأن يؤثرهما على رضا نفسه وزوجته وأولاده.

5 -اختصاص الأم بمزيد من البر لحاجتها وضعفها وسهرها وتعبها في الحمل والولادة والرضاعة. والبر يكون بمعنى حسن الصحبة والعشرة وبمعنى الطاعة والصلة لقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14] ، ولحديث: { إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات } [متفق عليه] الحديث.

6 -الإحسان إليهما وتقديم أمرهما وطلبهما، ومجاهدة النفس برضاهما حتى وإن كانا غير مسلمين لقوله تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت