فهرس الكتاب
وإلى أن تنتقل الأمة ـ وبخاصة في جانبها الدعوي والخيري ـ إلى واقع مؤسسي حقيقي يغطي الاحتياج، فسيبقى للعمل الفردي ـ مهما أحاط به من عوامل ضعف ـ مساحته المفتوحة، ومكانته السامقة، ودوره الضروري للقيام بكثير من الأعمال المنسية أو المضيعة تحت عباءة بعض المؤسسات عديمة التخطيط والمتابعة، أو ضعيفة الجهد قليلة الإنتاجية، أو في كليهما.
ولذا فالمطلوب من القيادات العلمية ودوائر التوجيه الدعوي التوازن والتعامل باعتدال وواقعية حين الثناء الدائم والتبني شبه المطلق للعمل المؤسسي القائم، والذم شبه المستمر للعمل الفردي وبيان عواره؛ مما تسبب في تفتير الكثير من الكفاءات المتميزة عن الإقدام على الكثير من البرامج والأنشطة خوفًا من التلبُّس بأردية العمل الفردي غير المرحَّب به كثيرًا، ومن تجرأ منهم وأقدم على بعض المشاريع والأنشطة تجد كثيرًا منهم يعاني من صراع داخلي بين الرغبة في العمل والظفر بالأجر والمثوبة، وبين مخافة الوصم بالفردية والفوضوية التي تورث ضعف إقدام ومحاصرة في الوقت ذاته.
ومع أن كلًا من العملين (الفردي والمؤسسي) مجرد وسائل تستثمر لتحقيق الغايات؛ فأيهما كان أكثر إثمارًا والأهيأ للعبد فهو المطلوب أيًا كان، وهذا أمر يعرفه المرء من نفسه، ومن استشارة أهل العلم والدعوة في بيئته.
على أن الأمة في الوقت الذي تضر بها الفردية الجامحة فإنها تحتاج إلى مؤسسات حقيقية قوية تتسم بالإثمار المتميز والناضج، وباستيعاب كثير من الشخصيات الجيدة في برامج عمل مناسبة، وإلا فإن النتيجة المتحتمة هي إضاعة كثير من الواجبات، وإهدار أعداد غفيرة من الكفاءات المنتجة تحت مبررات غير موجودة في عامة الأحيان.
وعلى عاتق الدعاة إلى الله - تعالى -ـ ذكورًا وإناثًا ـ يقع الجزء الأكبر من المسؤولية؛ فامتلاك قرارهم ومبادرتهم بأيديهم، وأداء الصلاة ـ التي هي أوجب فروض الأعيان بعد التوحيد ـ واجبة على الذكور جماعة في الوقت؛ فإن لم توجد جماعة أو شق أداؤها معها لم يسقط الفرض ووجب على العبد صلاتها منفردًا، وكذا الواجبات الكفائية المضيعة اليوم، إن تيسر القيام بها من خلال عمل مؤسسي جادٍّ يتضمن تعاونًا صادقًا على البر والتقوى كان غاية المطلوب، وإن تعذر ذلك فلا يجوز تضييع أدائها، بل لا بد من القيام بها بالصورة الفردية المتاحة، ولا يكلف الله - تعالى - نفسًا إلا وسعها.
وليس من السائغ ولا الجائز أبدًا التقاعس أو الفتور عن ذلك تحت حجة انتظار العمل المؤسسي؛ فذاك أمر ينكره الشرع ولا يقره العقل. والأمة في عصرنا ـ وهي تمر بحالة ضعف بَيِّن، وتعاني من ويلات مكر كُبَّار يحيط بها من كل جهة ـ أحوج ما تكون إلى كل عمل صائب دؤوب منطلق من فكرة ناضجة وتخطيط سليم، يخفف عنها بعض آلامها ويساعدها على النهوض من كبوتها، أيًا كان مصدره والقائم به.
ويزيد الأمر إلحاحًا أن غالب نجاحات الأمة اليوم مردها إلى جهود ومبادرات فردية مباركة ـ بما في ذلك تأسيس عامة المؤسسات القائمة وتشغيلها ـ وأن عامة ما تستثمره المؤسسات الموجودة اليوم في الساحة من جهود أفرادها المنتمين إليها لا يتجاوز نسبة قليلة مما يمتلكونه من إمكانات، مما يبقي الجزء الأكبر من المسؤولية تجاه النهوض بواقع الأمة وإصلاح شأنها على الأفراد ومبادراتهم المتعددة هنا وهناك سواء أكان ذلك في إطار مؤسسي أو بصورة فردية؛ إذ المهم ـ مع أولوية العمل المؤسسي متى كان متاحًا ـ هو الشعور العالي بالمسؤولية الدعوية، والمبادرة الجادة إلى التنفيذ في ظل رغبة عارمة بإتقان العمل وتجويده، واستعداد كبير للانخراط في العمل المؤسسي المحقق للغاية المرادة.
فكيف إذا انضاف إلى ذلك عدم تكيف كثير من القدرات الفذة ـ التي سدت نقصًا ظاهرًا وأسهمت في نجاح العديد من المشروعات المتميزة ـ على العمل من خلال المؤسسات القائمة، لاعتبارات مختلفة موضوعية أو غير موضوعية، وتوجه عامة مؤسساتنا اليوم نحو الانكفاء، وقيامها بتقليص الكثير من برامجها وأنشطتها نتيجة الحملة الأمريكية الشرسة على العمل الإسلامي المؤسسي، ليبقى عند ذلك العمل الفردي بانطلاقته الواسعة، وتكاليفه المحدودة، وأثره الكبير ضرورة ملحة لا بد من تقديم مزيد من الرعاية لها والاهتمام بها.
وختامًا: فكما أن الجميع مطالب ببذل الوسع في العمل للإسلام وتشجيع كل عامل له؛ فإن العمل المؤسسي لا يمكن أن ينهض إلى المستوى المؤمَّل إلا من خلال مبادرة القدرات ذات الكفاءة المتميزة إلى تطويره، وتحملهم الواجب نحو النهوض به.
فهل بلغت؟ اللهم فاشهد!
ربي الكريم المنان! أصلح حال أمتنا، وبارك في جهود الخيرين فيها مؤسسات وأفرادًا، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
(1) البخاري (6026) .
(2) ابن حبان (4577) ، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، والمراد بـ: (يرتكض) : يضطرب ويفر.
(3) النسائي (847) ، وحسنه الألباني.
أخي الملتزم احذر الوقوع في الأخطاء
عبدالله بن سعيد الشهري
دار القاسم
الحمد لله المنعم المتفضل جل جلاله وعز ثناؤه نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد:
فهذه رسالة بسيطة جمعت فيها بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض الملتزمين وغيرهم ممن نحسبهم كذلك إن شاء الله. وقد درجت على تسميتها بالأخطاء بدلًا من المعاصي لثلاثة أسباب: